في مستهل تعاملات العام، لا تتحرك الأسواق تحت وطأة الأرقام الاقتصادية وحدها، بقدر ما تُعاد صياغة التوقعات وفق خرائط التوتر الجيوسياسي. فنزويلا من جهة، واليمن والبحر الأحمر من جهة أخرى، يفتحان مسارين مختلفين للخطر، لكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة: الطاقة وسلاسل الإمداد، وهما عاملان شديدا الحساسية للاقتصاد المحلي.
تفصيلات التطورات الميدانية: ضربة في فنزويلا وحركة انفصالية في اليمن
في فنزويلا، دخل المشهد مرحلة أكثر حساسية بعد تعرض مواقع داخل البلاد لضربة عسكرية محدودة – بحسب ما أعلنته الحكومة الفنزويلية – وهو ما دفع الرئيس نيكولاس مادورو إلى رفع مستوى الجاهزية الأمنية والتلويح بإجراءات استثنائية. ورغم محدودية الضربة من حيث النطاق، فإن دلالتها السياسية والاقتصادية كانت أكبر من أثرها العسكري، إذ أعادت ملف النفط الفنزويلي إلى دائرة الخطر المباشر، وفتحت الباب أمام مخاوف من اتساع دائرة المواجهة أو تشديد إضافي للعقوبات، بما يهدد تدفقات الخام الثقيل إلى الأسواق العالمية. هذا التطور أعاد تسعير المخاطر في سوق الطاقة، ليس على أساس فقدان فوري للإمدادات، ولكن على أساس احتمالات التصعيد وعدم اليقين بشأن استمرارية الصادرات خلال الفترة المقبلة.
في المقابل، شهد اليمن تطورًا من نوع مختلف، مع بروز حركة انفصالية أعادت خلط الأوراق داخل المشهد اليمني المعقد، مضيفة بعدًا سياسيًا جديدًا إلى صراع قائم بالفعل. هذه الحركة، التي تتحرك خارج إطار المواجهات التقليدية، زادت من هشاشة الوضع الأمني، ووسعت نطاق عدم الاستقرار ليشمل مناطق وممرات حيوية قريبة من خطوط الملاحة الدولية. ومع تداخل هذا التطور مع التوترات القائمة في البحر الأحمر، باتت المخاطر لا تتعلق فقط بالهجمات المباشرة، بل باحتمالات تفكك السيطرة الأمنية وامتداد حالة السيولة السياسية، وهو ما يفسر تسارع قرارات شركات الشحن برفع أقساط التأمين أو تغيير المسارات، وتحول الملف اليمني من أزمة داخلية إلى عامل ضاغط على التجارة العالمية والأسواق الإقليمية، وفي مقدمتها مصر.
أولًا: فنزويلا.. صدمة نفطية محتملة لم تكتمل بعد
تظل فنزويلا واحدة من أكثر الملفات النفطية تعقيدًا في العالم. فالدولة التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة عالميًا، ما زالت صادراتها مرهونة بالعقوبات الأمريكية، وبقدرة شركة النفط الوطنية على تجاوز القيود الفنية والتمويلية.
اليوم، تعود فنزويلا إلى واجهة تسعير المخاطر، ليس لأنها أضافت برميلًا جديدًا إلى السوق، بل لأن أي تعطّل إضافي في صادراتها يُقرأ مباشرة كتهديد للإمدادات الثقيلة التي تحتاجها مصافي بعينها، خصوصًا في آسيا.
لكن الأسواق، حتى الآن، تتعامل مع المشهد بحذر محسوب:
لا قفزات حادة في أسعار النفط.
علاوة مخاطر محدودة تُضاف إلى العقود الآجلة.
رهان ضمني على أن المعروض العالمي قادر – مؤقتًا – على امتصاص الصدمة.
بمعنى أدق، فنزويلا ترفع أرضية القلق في سوق الطاقة، لكنها لم تكسر بعد سقف الاستقرار النسبي.
ثانيًا: اليمن والبحر الأحمر.. عندما تتحول الجغرافيا إلى تكلفة
على الضفة الأخرى، يبدو تأثير اليمن أكثر مباشرة وملموسًا، ليس عبر النفط ذاته، بل عبر طرق عبوره.
البحر الأحمر، وبالتحديد مضيق باب المندب، لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في معادلة التسعير العالمي. فكل تهديد أمني هناك ينعكس فورًا في:
ارتفاع أقساط التأمين البحري.
تغيير مسارات الشحن نحو رأس الرجاء الصالح.
زيادة زمن الرحلة وتكلفة الوقود.
وهنا، لا تحتاج الأسواق إلى إغلاق المضيق حتى تشعر بالأثر؛ مجرد المخاطرة كافية لإعادة تسعير السلع.
ثالثًا: مصر في قلب المعادلة.. تأثير مزدوج لا يُرى من العنوان
بالنسبة لـمصر، فإن الربط بين فنزويلا واليمن ليس تحليليًا فقط، بل عملي ومباشر.
1. قناة السويس: الدولار تحت الاختبار
أي اضطراب في البحر الأحمر يضغط مباشرة على إيرادات قناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.
تحويل السفن لمسارات بديلة لا يعني فقط انخفاض العبور، بل:
تأجيل تدفقات دولارية.
زيادة حساسية ميزان المدفوعات لأي صدمة خارجية أخرى.
2. فاتورة الاستيراد: التضخم القادم من البحر
حتى مع استقرار أسعار النفط نسبيًا، فإن ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين ينعكس على سعر الوصول للسلع المستوردة، وهو ما:
يغذي ضغوطًا تضخمية غير مباشرة.
يضعف هوامش الشركات المعتمدة على خامات مستوردة.
يعيد فتح ملف تمرير التكاليف إلى المستهلك النهائي.
3. البورصة المصرية: إعادة فرز القطاعات
في هذا السياق، لا تتحرك السوق ككتلة واحدة:
الخاسرون نسبيًا: الشركات كثيفة الاستيراد، أو مرتفعة المديونية، أو ضعيفة القدرة على التسعير.
الأكثر صمودًا: الشركات ذات المكون المحلي الأعلى، أو التي تعمل في قطاعات دفاعية، أو القادرة على تمرير التكلفة تدريجيًا.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة.. ولماذا لا يكفي النظر إلى سعر النفط؟
الخطأ الشائع في قراءة المشهد الحالي هو اختزاله في سؤال واحد: هل سيرتفع النفط؟
بينما الواقع أكثر تعقيدًا:
سيناريو التهدئة:
استقرار فنزويلا واحتواء البحر الأحمر يعيدان بعض الحركة لقناة السويس ويخففان الضغط التضخمي.
سيناريو التصعيد المزدوج:
تعطل نفطي + اضطراب ملاحي = ضغط مزدوج على الدولار والتضخم في مصر.
السيناريو الأخطر:
نفط مستقر ظاهريًا، لكن تكلفة الشحن تتراكم بصمت، لتظهر لاحقًا في الأسعار والهوامش والطلب.
ما يجري اليوم في فنزويلا واليمن لا يُقاس فقط بعدد البراميل أو الأخبار العسكرية، بل بمدى تحول الجغرافيا إلى تكلفة.
وبالنسبة لمصر، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في عنوان واحد، بل في تزامن الضغوط:
ضغط على إيرادات قناة السويس من جهة، وضغط على فاتورة الاستيراد والتضخم من جهة أخرى.
في هذه اللحظة، تراقب الأسواق المحلية ليس سعر برنت فقط، بل حركة السفن، ومسارات الشحن، وأقساط التأمين… لأن الاقتصاد، في النهاية، لا يتأثر بما يُقال، بل بما يدفعه فعليًا.







