لم تهدأ مصر بعد.
يومان فقط كانا كفيلين بأن تحترق فيها قلوب الأمهات ، وأن تتحول فكرة «الحماية» التي قضين سنوات ينسجنها بعناية إلى سراب. حادثة رحيل السباح الصغير يوسف محمد ، التي سبقتها مأساة «سيدز الدولية»، صنعتا موجة هلع غير مسبوقة… هزّت كل بيت، وكل حقيبة مدرسية، وكل حمّام سباحة.
صدمة مزدوجة… وانهيار الثقة
كانت الأمهات يرسلن أبناءهن إلى تدريبات السباحة لأنهن يعرفن أن الماء لا يرحم، وأن أول مهارة يجب أن يتقنها الطفل هي حماية نفسه من الغرق. كانت تلك أولى وصايا البيت المصري الحديث: “علموه السباحة… لعله ينقذ نفسه قبل أن ينقذ أحدًا.”
لكن يوسف—الذي تعلم السباحة ليحمي نفسه—لم يحمه أحد حين سقط في الماء أمام أعين مدربين ومنظمين ومسؤولين. فجأة اكتشفت الأمهات أن الخطر ليس في البحر… بل في الإهمال.
وقبل حادثة (يوسف) كان الحزن يخنق شهقات البيوت بسبب فاجعة مدرسة «سيدز الدولية»؛ مدرسة دولية، باهظة المصروفات، يضع فيها الأهالي ما تبقى من مدخراتهم، وربما ما لا يملكون، فقط ليضمنوا مساحة آمنة لأولادهم.
المنطق كان بسيطًا: ندفع أكثر… لنحصل على تعليم أفضل، وإشراف أدق، وإنسانية أكثر.
لكن الواقع فجّر السؤال القاسي: إذا كانت المدرسة التي تُدفع فيها آلاف الجنيهات غير آمنة، فأين تكون الأمان إذن؟
لماذا يستثمر المصريون آخر قرش في تعليم أبنائهم؟
الطبقة الوسطى في مصر أصبحت تُعرِّف نفسها اليوم بطريقة واحدة:
“نقتطع من احتياجاتنا… لنؤمّن مستقبل أولادنا.”
ولذلك:
يدفعون مصروفات مدارس دولية تفوق طاقتهم، لأنهم يريدون لأولادهم إنسانية لا تُهدَر.
يشترون حصص سباحة، ليس للترف، بل لحماية أبنائهم من الغرق.
يسهرون ليكمل الأب «شيفت» إضافي، أو تعمل الأم وظيفة ثانية، فقط ليدفعا ثمن تدريب أو نشاط قد يمنع كارثة في المستقبل.
الأب والأم المصريان يعلمان يقينًا أن الحماية لم تعد مجانية… ولذلك يحوّلان مدخراتهما إلى خط دفاعٍ أخير ضد ما يخيفهما.
لكن الحادثتين الأخيرتين قالتا بوضوح:
حتى هذا الاستثمار قد لا يكفي.
أم مصرية… كيف تنام الآن؟
كيف تضع أم طفلها في الحافلة المدرسية دون أن تستحضر صور سيدز؟
كيف تجلس في تدريب السباحة دون أن يمر يوسف في بالها؟
كيف تثق في كاميرا مراقبة… أو في مسؤول… أو في مدرّس… وقد رأينا جميعًا أن «الأمان الرسمي» قد ينهار في لحظة؟
هناك شيء انكسر… ليس فقط في القلوب، بل في الإحساس الجمعي بالأمان.
أصبح السؤال اليومي لكل أم:
هل أطفالي في أيدٍ أمينة… أم أننا نعيش الوهم؟
مسؤولون… يجب أن يُحاسَبوا
هذه ليست «حوادث» عابرة.
وليست «ظروفًا» سيئة.
وليست «أقدارًا» فُرضت علينا.
ما حدث مع يوسف هو إهمال.
وما ظهر في قضية سيدز هو انهيار منظومة حماية داخل مدرسة يُفترض أنها الأكثر انضباطًا.
ولا يمكن أن تهدأ مصر، ولا أن تتنفس أم، قبل أن يتم:
محاسبة المسئولين الحقيقيين
كشف من قصّر، ومن تستر، ومن تجاهل الإشارات الأولى
وإعادة صياغة معايير الأمان في المدارس والأندية الرياضية
فالأمهات لا يبكين فقط على الضحايا… بل على فكرة الحماية التي تمنوها لسنوات ثم رأينها تتبخر أمام أعينهن.
بين يوسف وسيدز… مستقبل الأطفال على المحك
الأمهات اليوم مذعورات.
ليس لأن مصر صارت أخطر… بل لأن الأماكن التي اعتقدن أنها «الأكثر أمانًا» كشفت العكس.
وفي بلدٍ لا يملك كثير من الأسر رفاهية الاختيار، يصبح السؤال الحقيقي:
ماذا نفعل لنضمن ألا يفقد طفل آخر حياته… أو طفولته؟
الحزن كبير… والدرس قاسٍ… لكن الغضب هذه المرة ليس غضبًا عابرًا.
إنه غضب شعب كامل يرى أبناءه في دائرة الخطر، ويعرف أن حماية الأطفال ليست رفاهية… بل أساس الحياة نفسها.






