في توقيت تتداخل فيه الحسابات الاقتصادية مع تطورات المشهد الجيوسياسي، أحالت الحكومة المصرية مشروع الموازنة العامة الجديدة إلى البرلمان، بعد إدخال تعديل جوهري في اللحظات الأخيرة على سعر صرف الدولار داخل الموازنة، ليرتفع من 47 جنيهًا إلى 50 جنيهًا.
جاءت الخطوة على خلفية تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام مراجعات إضافية إذا طالت الأزمة أو اتسعت تداعياتها. ولم يعد هذا التعديل مجرد تغيير فني في تقديرات الموازنة، بل تحول إلى إعادة تسعير كاملة للمخاطر، في موازنة باتت تُبنى على أكثر من سيناريو، لا على مسار واحد.
إعادة تسعير للمخاطر: من 47 إلى 50 جنيهًا
كانت التقديرات الأولية للموازنة تستند إلى فرضية احتواء الحرب خلال فترة قصيرة، إلا أن تسارع التطورات الإقليمية دفع الحكومة إلى تبني رؤية أكثر تحفظًا قبل إحالة المشروع إلى البرلمان.
ويعكس رفع سعر الدولار داخل الموازنة إدراكًا مبكرًا لاحتمالات:
ارتفاع تكلفة الواردات، خاصة الطاقة والسلع الأساسية
زيادة الضغوط على موارد النقد الأجنبي
ارتفاع أعباء خدمة الدين الخارجي
اتساع فاتورة الدعم والحماية الاجتماعية
كما يؤسس هذا التعديل لنهج “الموازنة المرنة”، القابلة للتعديل وفق تطورات المشهد، بدلًا من الالتزام بتقديرات قد تصبح غير واقعية في ظل صدمات متلاحقة.
أداء قوي خلال 8 أشهر يمنح الحكومة مساحة للمناورة
رغم الضغوط، تستند الحكومة إلى أداء مالي قوي خلال أول ثمانية أشهر من العام المالي الجاري، بما يمنحها قدرًا من المرونة في مواجهة أي تدهور محتمل.
فقد سجل الفائض الأولي نحو 656.8 مليار جنيه خلال الفترة من يوليو إلى فبراير، بما يعادل 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 330.1 مليار جنيه، أو 1.8% من الناتج، خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وجاء هذا التحسن مدفوعًا بعدة عوامل، أبرزها:
نمو الإيرادات الضريبية بنسبة 30.8% لتصل إلى 1.614 تريليون جنيه، بما يعادل 7.6% من الناتج المحلي
تحسن كفاءة التحصيل الضريبي بفضل ميكنة المنظومة وتوسيع القاعدة الضريبية
الإصلاحات التشريعية، خاصة في ضريبة القيمة المضافة
دعم النشاط الاقتصادي من خلال تسهيلات للمشروعات الصغيرة والمتوسطة
وفي المقابل، واصلت الحكومة سياسة ضبط الإنفاق، مع الحفاظ على أولوية الإنفاق على الحماية الاجتماعية والتعليم والصحة.
وانعكس ذلك على العجز الكلي، الذي تراجع إلى 4.6% من الناتج المحلي خلال الفترة من يوليو إلى فبراير، مقابل 4.8% خلال الفترة نفسها من العام الماضي، في إشارة إلى تحسن نسبي في إدارة المالية العامة.
العجز الكلي لم يعد رقمًا ثابتًا
لم يعد العجز الكلي رقمًا نهائيًا داخل الموازنة، بل أصبح متغيرًا يرتبط مباشرة بمسار الحرب، وسعر الصرف، وتكلفة التمويل.
وفي هذا الإطار، تتحرك تقديرات الحكومة بين سيناريوهين رئيسيين:
السيناريو الأول: احتواء الحرب.. عجز عند 4.9%
يفترض هذا السيناريو توقف الحرب أو احتواء تداعياتها خلال فترة محدودة، بما يسمح بالحفاظ على قدر من الاستقرار الاقتصادي.
في هذه الحالة، تستهدف الحكومة تسجيل عجز كلي عند نحو 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي، مدعومًا بـ:
استمرار النمو القوي في الإيرادات الضريبية
الحفاظ على فائض أولي يدور حول 3% من الناتج المحلي
استقرار نسبي في سعر الصرف عند المستويات الجديدة
تحسن تدريجي في موارد النقد الأجنبي
ويحمل هذا السيناريو دلالة مهمة، إذ إن الاقتراب من مستوى 5% يعكس قدرة على استعادة الانضباط المالي، ويعزز ثقة الأسواق، كما يخفف الضغوط التمويلية على الدولة.
السيناريو الثاني: استمرار الحرب.. عجز لا يقل عن 5.5%
أما السيناريو الأكثر تحفظًا، فيفترض استمرار الحرب لفترة أطول، مع امتداد آثارها إلى مختلف المؤشرات الاقتصادية.
وبحسب هذا المسار، قد يرتفع العجز الكلي إلى 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي كحد أدنى، نتيجة:
زيادة تكلفة خدمة الدين مع ارتفاع أسعار الفائدة وتراجع قيمة العملة
ضغوط على الإيرادات الدولارية، خاصة من السياحة وقناة السويس والاستثمار الأجنبي
توسع اضطراري في الإنفاق على الدعم والحماية الاجتماعية
ارتفاع تكلفة الواردات بفعل تقلبات سعر الصرف
وفي هذه الحالة، تدخل الموازنة منطقة أكثر حساسية، مع ارتفاع الاحتياجات التمويلية، واحتمالات إعادة ترتيب أولويات الإنفاق خلال العام المالي.
الفائض الأولي يبقى صمام الأمان
في كلا السيناريوهين، يظل الفائض الأولي خط الدفاع الأهم أمام الضغوط المتوقعة.
فقفزته إلى 3.1% من الناتج المحلي خلال أول ثمانية أشهر من العام المالي تمنح الحكومة:
مساحة أكبر لامتصاص صدمات الفائدة وسعر الصرف
قدرة أفضل على احتواء العجز الكلي
مرونة أعلى في إدارة الدين العام
لكن التحدي الرئيسي يبقى في استدامة هذا الأداء، خاصة إذا تحولت الضغوط الخارجية إلى التزامات إنفاق داخلي أكبر.
بين المرونة والمخاطر.. موازنة في اختبار مفتوح
تعكس الموازنة الجديدة محاولة واضحة لتحقيق توازن دقيق بين الانضباط المالي والقدرة على التكيف مع الصدمات.
فرفع سعر الدولار إلى 50 جنيهًا لا يمثل مجرد إجراء احترازي، بل يحمل إقرارًا ضمنيًا بأن الأرقام الواردة في الموازنة قد تظل قابلة لإعادة الرسم إذا تغيرت الظروف.
وبين الأداء القوي خلال الأشهر الماضية، والمخاطر المرتبطة بتطورات الحرب، تبدو الموازنة المصرية أمام اختبار مفتوح، لا تحدد مساره الأرقام وحدها، بل تفرضه الأحداث.







