في مشهد مؤلم يعيد إلى الذاكرة مأساة “مرمرة الزرقاء”، أسدل الستار على رحلة السفينة الإنسانية “مادلين”، التي أبحرت من أوروبا تحمل الأمل والمساعدات، وانتهت بين أيدي جنود الاحتلال الإسرائيلي في عرض البحر، وسط صمت دولي مطبق يكاد يكون تواطؤًا.
“مرمرة الزرقاء” (بالتركية: Mavi Marmara) هي سفينة تركية كانت جزءًا من أسطول الحرية الذي انطلق عام 2010 لكسر الحصار البحري المفروض من قبل إسرائيل على قطاع غزة. وقد أصبحت رمزًا عالميًا بسبب الهجوم الدموي الذي تعرضت له أثناء رحلتها، في واحدة من أبرز المحطات في الصراع الإنساني الفلسطيني.
الحلم يبدأ من صقلية
من ميناء كاتانيا في جزيرة صقلية الإيطالية، انطلقت السفينة مادلين في الأول من يونيو 2025، وعلى متنها 12 ناشطًا دوليًا، يتقدمهم الممثل الإيرلندي ليام كانينغهام، والناشطة البيئية غريتا تونبرغ، إلى جانب نائبة البرلمان الأوروبي ريما حسن، وشخصيات حقوقية أخرى.
تحمل السفينة اسم “مادلين” تكريمًا لأول صيّادة فلسطينية في غزة، الشابة مادلين كلاب، التي أصبحت أيقونةً لصمود المرأة الفلسطينية في وجه الحصار والفقر والدمار.
كانت السفينة تحمل شحنات طبية ومساعدات إنسانية عاجلة، أبرزها حليب أطفال ومضادات حيوية، وأدوات رعاية خاصة لمرضى القطاع المنهك من الحرب والحصار المستمر منذ أكثر من 17 عامًا.
اقتحام في عرض البحر
في صباح الثامن من يونيو، وبعد اقتراب “مادلين” من المياه الإقليمية الفلسطينية، أطبقت عليها زوارق البحرية الإسرائيلية في عملية مباغتة، اقتيدت خلالها السفينة بالقوة إلى ميناء أسدود.
الاقتحام تم في المياه الدولية، بما يخالف القانون الدولي، لكنه حدث دون أي اعتراض حقيقي من المنظمات الأممية أو الدول الغربية التي يحمل بعض ركاب السفينة جنسياتها.
الناشطون تعرّضوا للاعتقال المؤقت، وتمت مصادرة السفينة، والتحفظ على شحنة المساعدات. ورغم المزاعم الإسرائيلية بأن الركاب لم يتعرضوا للأذى، فإن مقاطع فيديو مسرّبة من داخل السفينة كشفت عن لحظات الرعب والانقطاع الكامل عن العالم بعد تشويش متعمّد على أجهزة الاتصال والإنترنت.
العالم يلوذ بالصمت
في الوقت الذي كانت فيه مادلين تُقتاد بالقوة، لم يصدر أي موقف رسمي صارم من الاتحاد الأوروبي، ولا من الأمم المتحدة، سوى بعض “القلق” الخجول الذي لا يسمن ولا يغني من حرية.
حتى الدول التي ينتمي إليها النشطاء لم تطلب بوضوح إدانة الاقتحام، واكتفت بإجراءات بروتوكولية لإعادتهم.
صمت دولي مريب، يتكرر كلما تعلق الأمر بفلسطين، وكأن دماء غزة ومآسيها خارج جدول اهتمام العالم، أو كأنّ الإنسانية تسقط حين تمر عبر معبر رفح أو شاطئ غزة المحاصر.
رسالة وصلت رغم الحصار
رغم النهاية المؤلمة، فإن “مادلين” لم تفشل. لقد وصلت رسالتها. وكما قالت النائبة ريما حسن في اتصالها الأخير قبل انقطاع الاتصال:
“حتى لو لم نصل إلى غزة، فقد أوصلنا صوتها إلى العالم، وجعلنا البحر يروي قصتها.”
ربما صودرت السفينة، واعتُقل ركابها، لكن الضمير الحي لا يزال قادرًا على أن يُبحر، وأن يخرق جدار الحصار ولو بكلمة، أو بصورة.







