لم يكن تولي أحمد كجوك منصب نائب رئيس مجلس الوزراء للمجموعة الاقتصادية نتاج مرحلة واحدة أو منصب بعينه، بل خلاصة مسار طويل بدأ من داخل “مطبخ” السياسات المالية بوزارة المالية، وامتد عبر المؤسسات الدولية، ثم عاد ليترسخ داخل الحكومة المصرية ، على مدار أكثر من عقدين.
التشكيل الوزاري الجديد لم يقدّم اسمًا طارئًا على الملف الاقتصادي، بل أعاد تقديم أحد أكثر المسؤولين خبرة بتفاصيل المالية العامة، وصياغة السياسات، وإدارة الأزمات الاقتصادية، في لحظة تحتاج فيها الحكومة إلى قدر عالٍ من التنسيق والانضباط المالي.
قاعدة علمية تؤسس لصانع سياسات لا مجرد مدير مالي
يحمل كجوك خلفية أكاديمية متينة شكّلت وعيه المبكر بالاقتصاد والسياسات العامة. تخرّج في الجامعة الأمريكية بالقاهرة حاصلاً على بكالوريوس الاقتصاد، قبل أن يستكمل دراساته العليا خارج مصر، حيث نال ماجستير الاقتصاد من جامعة يورك البريطانية، ثم ماجستير السياسات العامة من كلية جون كينيدي بجامعة هارفارد.
هذا المسار التعليمي لم يقدّمه كخبير أرقام فقط، بل كصانع سياسات قادر على الموازنة بين الكفاءة الاقتصادية والاعتبارات الاجتماعية، وهي معادلة لطالما مثّلت التحدي الأكبر أمام وزارة المالية في مصر.
من وحدة السياسات المالية إلى دوائر القرار
قبل عام 2011، كان أحمد كجوك حاضرًا بالفعل داخل وزارة المالية، حيث شغل موقع نائب وحدة السياسات المالية، وهي الوحدة التي تُعد العقل التحليلي للوزارة، والمسؤولة عن إعداد السيناريوهات، ودراسة أثر القرارات المالية على الاقتصاد الكلي، وصياغة بدائل السياسات.
في تلك المرحلة، شارك كجوك في:
إعداد دراسات الإصلاح المالي وهيكلة الدعم.
تحليل أوضاع العجز والدين العام.
تقييم السياسات الضريبية وتأثيرها على النمو والاستثمار.
هذا الدور المبكر منحه معرفة عميقة بتعقيدات المالية العامة المصرية قبل التحولات الكبرى التي شهدها الاقتصاد لاحقًا، وجعله جزءًا من جيل technocrats تشكّل وعيه داخل الدولة لا على هامشها.
الخبرة الدولية: توسيع زاوية الرؤية
لاحقًا، انتقل كجوك للعمل خبيرًا اقتصاديًا بالبنك الدولي، وهي محطة أضافت بعدًا مقارنًا لتجربته، حيث اطّلع على نماذج إصلاح اقتصادي متعددة في دول نامية وأسواق ناشئة، وتعرّف على أدوات التمويل الدولية وآليات التفاوض مع الحكومات.
هذه الخبرة الدولية عززت قدرته على فهم لغة المؤسسات المالية العالمية، دون أن تفصله عن خصوصية الحالة المصرية، وهو ما ظهر لاحقًا في أدواره التفاوضية.
العودة القوية: نائب وزير المالية بعد 2016
مع انطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي في 2016، عاد كجوك إلى الواجهة من موقع نائب وزير المالية لشؤون السياسات المالية والتطوير المؤسسي، ليصبح أحد الأعمدة الفنية الرئيسية للوزارة في أكثر الفترات حساسية.
من هذا الموقع، تولّى ملفات محورية شملت:
إعادة هيكلة السياسة المالية.
تطوير منظومة الضرائب والميكنة.
إدارة الدين العام وتحسين هيكله الزمني.
قيادة المفاوضات الفنية مع صندوق النقد الدولي ومؤسسات التمويل الدولية.
وخلال هذه المرحلة، ترسّخ اسمه كمفاوض هادئ، يمتلك أدوات التحليل والقدرة على الدفاع عن خيارات الدولة بالأرقام، لا بالشعارات.
من المالية إلى تنسيق الاقتصاد الكلي
توليه لاحقًا منصب وزير المالية مثّل انتقالًا من الدور الفني إلى المسؤولية السياسية التنفيذية، قبل أن يأتي تعيينه الأخير نائبًا لرئيس مجلس الوزراء للمجموعة الاقتصادية كامتداد منطقي لمسار قائم على التراكم لا المفاجأة.
في هذا الموقع، لا يقتصر دوره على إدارة وزارة، بل يمتد إلى:
تنسيق السياسات بين الوزارات الاقتصادية.
صياغة الإطار العام للإصلاح المالي والنمو.
الربط بين متطلبات التمويل والاستثمار والحماية الاجتماعية.
وهو دور يتطلب خبرة ممتدة داخل الدولة، وفهمًا دقيقًا لتوازنات القرار، وهو ما راكمه كجوك منذ سنواته الأولى في وحدة السياسات المالية.
خلاصة: رجل مرحلة لا ابن لحظة
يعكس اختيار أحمد كجوك نائبًا لرئيس الوزراء للمجموعة الاقتصادية، بجانب استمرار عمله كوزير للمالية ، رهانًا على الخبرة المتراكمة داخل الدولة، لا على الوجوه الجديدة وحدها. فهو مسؤول تشكّل تدريجيًا داخل المنظومة، من التحليل إلى التفاوض، ومن السياسات إلى التنفيذ.
ويبقى التحدي الأهم أمامه هو تحويل هذا الرصيد المهني الكبير إلى سياسات أكثر اتساقًا وأثرًا في اقتصاد لا يحتمل رفاهية التجريب، ويبحث عن نتائج تتجاوز المؤشرات إلى واقع المواطن.







