في توقيت شديد الحساسية سياسيًا واقتصاديًا، أعلنت السلطات الإسرائيلية وقفًا مؤقتًا لإنتاج الغاز من عدد من الحقول البحرية الكبرى، على رأسها “تمار” و”لفياثان”، تحت دعاوى “دواعي أمنية”، بالتزامن مع تصعيد عسكري متبادل في المنطقة. هذا التطور، الذي يبدو في ظاهره إجراءً داخليًا، سرعان ما ظهرت ارتداداته الإقليمية، وأولها على مصر.
فمنذ أن تحولت مصر إلى مركز إقليمي لتداول وتسييل الغاز، باتت وارداتها من إسرائيل أحد أركان هذه المعادلة، لا سيما بعد التراجع النسبي في إنتاج الحقول المحلية مثل “ظُهر”، وتنامي الطلب الداخلي. وبحسب بيانات غير رسمية، كانت القاهرة تستقبل نحو 800 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز الإسرائيلي عبر خطوط الأنابيب، قبل أن ينخفض هذا الرقم إلى الصفر فعليًا في بعض الفترات، كما حدث في أكتوبر الماضي، حين اضطرت الحكومة إلى وقف تصدير الغاز المسال وفرض جدول يومي لقطع الكهرباء استمر حتى أربع ساعات.
أزمة استيراد.. وعودة شبح انقطاع الكهرباء
في ظل توقف الإمدادات، بات على مصر أن تواجه معادلة شديدة التعقيد: فجوة في الطاقة، ضغط على شبكة الكهرباء، وتأثر مباشر على قطاعات إنتاجية كثيفة الاستهلاك مثل الأسمنت والأسمدة. الحكومة المصرية تحركت سريعًا لتأمين بدائل، كان أبرزها التحرك العاجل لاستيراد شحنات من الغاز المسال (LNG)، تردد أن عددها قد يصل إلى 60 شحنة بقيمة تتجاوز 3 مليارات دولار، في واحدة من أكبر العمليات العاجلة لتأمين الطاقة منذ سنوات.
لكن هذا الحل، وإن بدا ضروريًا، يطرح تساؤلات جوهرية حول هشاشة الموقف المصري من حيث تنويع مصادر الطاقة، ومدى إمكانية الاعتماد طويل الأمد على الغاز الإسرائيلي، الذي لم يعد – في ضوء الاعتبارات السياسية والأمنية – مصدرًا موثوقًا كما كان يُنظر إليه قبل أعوام.
هل بات الغاز ورقة ضغط سياسية؟
اللافت في المشهد أن انقطاع الإمدادات تزامن مع توترات إقليمية كانت مصر جزءًا من معادلاتها، سواء على مستوى الوساطة أو المصالح المباشرة. وهو ما دفع البعض في الأوساط الاقتصادية لتوصيف الأمر بأنه “تسييس للطاقة”، أو على أقل تقدير “استغلال ظرفي”، خاصة مع تكرار توقف الإمدادات في ظروف أمنية سبق لمصر أن احتوتها.
وهو ما يعيد طرح التساؤل الأهم: هل وقّعت مصر عقودًا كافية لتحصين وارداتها من الغاز ضد ظروف “القوة القاهرة”؟ وهل تملك أوراق رد قانونية أو تجارية في حال استمر توقف الإمدادات أو تكررت السيناريوهات ذاتها مستقبلًا؟
خيارات القاهرة.. من المناورة إلى التعويض
تسعى القاهرة اليوم إلى إعادة ترتيب أولوياتها على مستوى أمن الطاقة، عبر عدة محاور:
- أولها زيادة إنتاج الحقول المحلية وإعادة تأهيلها، وعلى رأسها “ظُهر”، رغم التحديات التقنية والمالية.
- ثانيها، التوسع في الطاقة المتجددة لتقليل الضغط على الغاز، وهو ما يتقاطع مع خطط مصر في مشروعات الهيدروجين الأخضر والسدود الشمسية والرياح.
- أما ثالث المحاور، فهو الدخول في مفاوضات استراتيجية جديدة مع شركاء دوليين لتأمين إمدادات بديلة أو توقيع عقود طويلة الأمد تضمن استقرار السوق المحلي.
وفي جميع الأحوال، يبدو أن تجربة الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، وإن كانت مُجدية اقتصاديًا على الورق، قد كشفت واقعًا أكثر هشاشة مما كان يُعتقد، وفرضت على صانع القرار المصري مراجعة أولويات ملف الطاقة ليس من منظور اقتصادي فقط، بل من زاوية الأمن القومي.







