في خضم تصعيد غير مسبوق بين إيران وإسرائيل، عاد الحديث مجددًا عن أكثر الممرات المائية حساسية في العالم: مضيق هرمز، حيث تلتقي السياسة بالنفط، ويكفي تهديد واحد لإغلاقه حتى ترتجف الأسواق ويعلو صوت الخطر في كل العواصم.
مضيق صغير.. بثقل عالمي
رغم ضيقه الجغرافي، فإن مضيق هرمز يتحكم في شريان الطاقة العالمي. يمر من خلاله يوميًا أكثر من 21 مليون برميل نفط خام، تمثل نحو ثلث صادرات النفط البحرية في العالم. كما تعبره شحنات الغاز المسال، لا سيما من قطر التي تُعد أكبر مصدر عالمي للغاز الطبيعي المسال.
يمثل المضيق منفذًا وحيدًا لصادرات الطاقة من دول مثل السعودية، الإمارات، الكويت، العراق، وقطر، ما يجعل أي إغلاق له أشبه بـ”إطفاء مفاجئ لمحرك الاقتصاد العالمي”.
الخطر ليس نظريًا
التحذيرات من غلق المضيق لم تعد افتراضية، إذ ألمحت طهران في عدة مناسبات إلى قدرتها على تعطيل الملاحة فيه، سواء عبر التهديد العسكري المباشر أو زرع الألغام البحرية أو حتى الهجمات بالطائرات المسيّرة.
ومع تصاعد وتيرة الهجمات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، ارتفع منسوب القلق من أن يتحول المضيق من ممر ملاحي إلى نقطة اشتعال إقليمي كبرى، ستطال شظاياه العالم بأسره.
مصر في مرمى التأثير
رغم أن المضيق يقع بعيدًا جغرافيًا عن مصر، إلا أن انعكاساته الاقتصادية ستكون عميقة وفورية:
- ارتفاع تكلفة الطاقة: تعتمد مصر جزئيًا على واردات بترولية وغاز من الخليج، وغلق المضيق سيشعل أسعار الخام والغاز عالميًا، ما سيزيد الضغوط على الموازنة والدعم.
- ضغوط على العملة: أي زيادة في فاتورة الواردات ستؤدي إلى تراجع الاحتياطيات وزيادة الضغط على الجنيه، في وقت تسعى فيه الدولة لتثبيت الاستقرار النقدي.
- تأثر قناة السويس: أكثر من ربع ناقلات النفط والغاز التي تمر عبر قناة السويس تأتي من الخليج عبر مضيق هرمز. أي تعطيل للمضيق يعني انخفاض عدد السفن العابرة، وبالتالي تراجع الإيرادات.
إسرائيل وأمن الطاقة
تمثل إسرائيل حالة مختلفة، إذ تعتمد على واردات نفطية من مسارات متنوعة، منها كردستان العراق، إلا أن إغلاق المضيق سيعني:
- زيادة كلفة التأمين والشحن على وارداتها من الوقود.
- صعوبة إعادة تصدير الغاز المصري إلى أوروبا، خاصة إذا تضررت بنيتها التحتية أو مسارات الإمداد.
- تهديد أمن الطاقة الاستراتيجي، ما يعزز من احتمالات التصعيد العسكري المباشر في حال اتُهمت إيران بالمسؤولية.
النفط والذهب: أول الرابحين
في ظل هذا المشهد، ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ شهور، وقفز الذهب إلى مستويات تقترب من ذروة ما بعد جائحة كورونا، وهو ما يعكس حالة الذعر في الأسواق العالمية.
فالمضيق، ببساطة، هو الزناد المائي الأخطر في العالم.
هل العالم مستعد؟
في زمن تسوده الهشاشة الجيوسياسية، لم يعد مجرد تهديد بإغلاق مضيق هرمز أمرًا عابرًا. بل أصبح ورقة ضغط تستخدمها طهران، وتحسب لها واشنطن وتل أبيب ألف حساب.
وفي حال تحوّل الخطر إلى واقع، فإن موجات الصدمة لن تبقى حبيسة الخليج، بل ستصل شواطئ المتوسط، والبحر الأحمر، وحتى خزائن الشعوب من واشنطن إلى القاهرة.







