لا يمكن قراءة الاتفاق الأخير على مستوى الخبراء بين مصر وصندوق النقد الدولي باعتباره خبراً مالياً منفصلاً، بل باعتباره حلقة في مسار ممتد بدأ مع توسيع البرنامج في مارس 2024 إلى 8 مليارات دولار، بهدف احتواء أزمة ميزان المدفوعات، وإعادة ضبط المالية العامة، واستعادة ثقة الأسواق.
خلفية زمنية
جاء اتفاق الخبراء امس بصرف 2.5 مليار دولار ، في توقيت يتقاطع مع نهاية عام مالي مثقل بأعباء خدمة الدين واقتراب استحقاقات تمويلية كبيرة في 2026. قيمة الاتفاق هنا لا تقتصر على فتح باب شريحة تمويل جديدة، بل في كونه إشارة استباقية للأسواق بأن البرنامج ما زال قائماً، وأن المسار الإصلاحي—برغم تعثراته—لم ينكسر.
من اتفاق طارئ إلى برنامج هيكلي
دخلت مصر برنامج Extended Fund Facility (EFF) في 2022 كإطار طارئ. لكن صدمات 2023–2024 فرضت إعادة تصميمه ليصبح برنامجاً هيكلياً ممتداً: مرونة أكبر لسعر الصرف، تشديد مالي تدريجي، والتزام بتقليص دور الدولة لصالح القطاع الخاص. الاتفاق الحالي يختبر التنفيذ لا النوايا.
ماذا يقول الاتفاق عن الوضع الراهن؟
الاتفاق يمنح شهادة مؤقتة على استقرار نسبي: تحسن في ميزان المدفوعات، تباطؤ التضخم عن ذروته، ودعم للاحتياطيات عبر التمويل متعدد الأطراف. في المقابل، يكرر الصندوق تحفظه الجوهري: الاستقرار لم يتحول بعد إلى نمو شامل، والإصلاحات الهيكلية أبطأ من المستهدف.
مقارنة مع الاتفاقات السابقة
2016–2019: تصحيح سريع وحاد.
2022–2023: منع الانهيار وسط صدمات عالمية.
2024–2025: تثبيت المسار وتحويل الاستقرار إلى نمو.
ويعزز هذا التحول إدماج Resilience and Sustainability Facility (RSF)، الذي يربط التمويل بإصلاحات طويلة الأجل في الطاقة والحوكمة، ما يعني أن الأزمة باتت تنموية بقدر ما هي مالية.
الدين والمالية العامة: العقدة المستمرة
رغم تحسين آجال الاستحقاق وتنويع الأدوات، تظل تكلفة خدمة الدين تضغط على الموازنة، مع اعتماد ملحوظ على أدوات قصيرة الأجل. الصندوق يدفع نحو تقليص مخاطر الدين عبر إصلاحات هيكلية أعمق، لا مجرد إدارة الاستحقاقات.
بين طمأنة الأسواق وكلفة المجتمع
الأسواق تقرأ الاتفاق كرسالة التزام واستمرارية. المجتمع يقرأه من زاوية الكلفة: تضخم، ضغط معيشي، واختبار لقدرة شبكات الحماية. المعادلة الأصعب للحكومة هي استكمال الإصلاح مع الحفاظ على القبول الاجتماعي.
الاتفاق الأخير يمنح مصر وقتاً إضافياً ومساحة تنفس قبل استحقاقات 2026، لكنه لا يغيّر جوهر التحدي. النجاح لن يُقاس بقيمة الشريحة، بل بسرعة تحويل الاستقرار إلى نمو يقوده القطاع الخاص وخفض مخاطر الدين بشكل مستدام.







