في افتتاحية غير معتادة، بدأ صندوق النقد الدولي تقريره السنوي لعام 2025 بنبرة دراماتيكية صريحة، إذ وضع العالم أمام مرآة واقع اقتصادي يزداد ضبابية. فبدلًا من لغة التطمين التقليدية التي تصدر عادة عن المؤسسات الدولية، تبنّى الصندوق خطابًا متوترًا، محمّلًا بتحذيرات صريحة حول عصر غير مسبوق من عدم اليقين.
يؤكد التقرير أن العالم يواجه تطورات استثنائية تتشابك فيها التحولات الجيوسياسية، والتغيرات المناخية المتطرفة، وثورة الذكاء الاصطناعي، مع توترات تجارية ومخاطر مديونية حادة، ما يجعل البيئة الاقتصادية العالمية “أكثر صعوبة وغير محددة المسار”.
تحولات كبرى… ومخاطر أكبر
يرى صندوق النقد أن التحولات التكنولوجية الهائلة تخلق فرصًا ضخمة، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر توسع الفجوة بين الاقتصادات، خصوصًا في ظل استمرار الكوارث الطبيعية واشتداد الظواهر الجوية المتطرفة، وما تفرضه من تكاليف إضافية على موازنات الدول.
كما يعزو التقرير تراجع توقعات النمو العالمي خلال 2025 إلى تصاعد التوترات التجارية وما يصاحبها من رسوم جمركية، الأمر الذي يزيد من ضغوط النمو المنخفض والمديونية المرتفعة، مع تحذير خاص من أن الدول التي تتردد في تعديل سياساتها ستكون عرضة “لتصحيحات أكثر حدة”.
تضخم يتراجع… لكن دون طمأنينة
ورغم الهبوط المستمر في التضخم العالمي، يؤكد الصندوق أن وتيرة تباطؤه باتت أبطأ، في وقت تتباعد فيه سياسات البنوك المركزية حول العالم، ما يخلق آثارًا غير مباشرة على أسعار الأصول والعملات، ويزيد من هشاشة التمويل لدى الاقتصادات النامية.
الدول منخفضة الدخل تحديدًا تعرضت لـ ضرر بالغ من البيئة الخارجية الحالية؛ فبعد أن أظهرت صلابة نسبية في مواجهة صدمات جائحة كوفيد-19 والاضطرابات الروسية-الأوكرانية، أصبحت اليوم أمام ضغوط جديدة تُحتم عليها تنفيذ إصلاحات صعبة لاستعادة الاستقرار الاقتصادي.
دعوة إلى إصلاحات داخلية شاملة
يشدد التقرير على أنّ الطريق إلى النمو يبدأ من الداخل. ويطالب البلدان بتعزيز الاستقرار المالي وتحسين بيئة الأعمال، وإعادة تبسيط النظم الضريبية، وتقليص الإجراءات البيروقراطية، وتحسين الهياكل التنظيمية، إلى جانب تعميق أسواق رأس المال وزيادة المشاركة الاقتصادية.
ويحذر الصندوق من أن أي تأخير في تطبيق الإصلاحات سيُنتج “تكاليف أكبر وتصحيحات أشد”، مشيرًا إلى أن استعادة هوامش الأمان المالية باتت ضرورة لا تحتمل الانتظار.
التعاون الدولي… ضرورة وليست رفاهية
ورغم أهمية الإصلاح الداخلي، يرى صندوق النقد أن الجهود الوطنية لن تكون كافية ما لم ترافقها بيئة تجارية عالمية مستقرة. إذ إن استمرار التوترات التجارية قد يؤدي إلى خفض النمو على المدى القصير والطويل معًا، كما أن تراجع المرونة في السياسات العالمية سيزيد من مخاطر تذبذب أسعار الأصول وارتفاع كلفة التمويل.
مخاطر الفقر وتعثر مسار التنمية
يحذر التقرير من أن بعض الدول تقف حاليًا على حافة انتكاسة تنموية، إذ قد تعود مستويات الدخل في عدد منها إلى ما قبل عقد كامل، إذا لم تُنفّذ إجراءات سريعة ومتماسكة لمواجهة المخاطر الحالية.
صندوق النقد: مرونة… ومسؤولية
يختتم التقرير برسالة تحمل قدرًا من الواقعية والحسم:
البيئة الحالية تتطلب الوضوح والالتزام والتنسيق.
ويشير الصندوق إلى عزمه تكييف مشوراته وبرامجه مع الظروف المتغيرة، مع إطلاق مجلس استشاري جديد حول ريادة الأعمال والنمو، في محاولة لاجتذاب رؤى مبتكرة قادرة على التعامل مع عصر التحولات الجذرية.







