في أسبوع واحد تقريبًا، تجمّعت ثلاثة مؤشرات تُشبه “خارطة طريق قصيرة الأجل” للاقتصاد المصري: خفض جديد للفائدة، وتقدّم مع صندوق النقد الدولي في المراجعتين الخامسة والسادسة (معًا) لبرنامج القرض، واستمرار مسار إصلاح أسعار الطاقة بعد قرار رفع أسعار الوقود وتجميدها لعام. هذه التطورات لا تُقرأ منفصلة؛ بل كحزمة واحدة هدفها تخفيف كلفة التمويل، وتثبيت توقعات التضخم، وتحسين تدفقات النقد الأجنبي، مع تقليل المخاطر الاجتماعية قدر الإمكان.
1) خفض الفائدة: لماذا الآن؟ وما الذي يعنيه للسوق؟
أعلن البنك المركزي خفض أسعار الفائدة الرئيسية بنحو 100 نقطة أساس في اجتماع 25 ديسمبر 2025؛ لتصل (وفق بيانات منشورة محليًا) إلى 20% للإيداع و21% للإقراض و20.5% للعملية الرئيسية.
القراءة التحليلية للقرار
التضخم يهبط… ويعطي مساحة حركة: أحدث قراءة لرويترز تُظهر تراجع التضخم الحضري السنوي إلى 12.3% في نوفمبر 2025 (من 12.5% في أكتوبر)، وهو نزول كبير مقارنة بذروة سابقة عند 38% في سبتمبر 2023.
هذا المسار يفتح نافذة لتيسير نقدي “محسوب” دون المخاطرة بإعادة إشعال موجة الأسعار.
إشارة مزدوجة للسوق: الخفض لا يستهدف فقط “تنشيط الاقتراض”، بل أيضًا إعادة تسعير تدريجية لكلفة الأموال في الاقتصاد، بما يساعد الحكومة والقطاع الخاص على التقاط الأنفاس في بيئة اقتراض كانت شديدة الارتفاع.
لكن… المفاضلة صعبة: أي خفض سريع ومبالغ فيه قد يضغط على جاذبية العائد الحقيقي وعلى تدفقات المحافظ الأجنبية إلى أدوات الدين، خصوصًا إذا ارتفعت مخاطر الأسواق الناشئة أو زادت تقلبات أسعار الطاقة عالميًا.
الأثر المتوقع في 3 مسارات
سوق الدين المحلي: مساحة لتحسن مزادات أذون وسندات الخزانة، لكن العائد سيظل “مرتفعًا” نسبيًا إذا بقيت الحكومة تطرح أحجامًا كبيرة.
القطاع المصرفي والائتمان: تخفيف تدريجي لكلفة القروض، لكنه لن يتحول فورًا إلى طفرة ائتمانية إلا إذا تحسنت الثقة وتوقعات الطلب.
الاستثمار الحقيقي: التأثير الإيجابي الأكبر عادةً يظهر مع استمرار دورة الخفض لعدة اجتماعات، لا مع خطوة واحدة.
2) اتفاق صندوق النقد: لماذا جُمعت المراجعتان؟ وما معنى الـ 2.5 مليار دولار؟
صندوق النقد أعلن التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج التسهيل الممدد (EFF)، ما قد يفتح الباب لصرف نحو 2.5 مليار دولار بعد موافقة المجلس التنفيذي. كما أشار إلى تقدم في المراجعة الأولى ضمن تسهيل المرونة والاستدامة (RSF) الذي قد يوفّر حوالي 1.3 مليار دولار إضافية.
لماذا جُمعت المراجعتان؟
رويترز أوضحت أن جمع المراجعتين جاء لمنح مصر وقتًا إضافيًا لتحقيق بعض أهداف البرنامج.
وهنا جوهر الرسالة: الصندوق يرى تحسنًا في الاستقرار الكلي وتوفر العملة، لكنه يريد تسريع الإصلاحات الهيكلية الأكثر صعوبة سياسيًا وإداريًا.
أين “نقطة الاختبار”؟
الصندوق يكرر عادةً ثلاث “عُقد”:
تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وتوسيع مساحة القطاع الخاص.
برنامج طروحات/تخارجات واضح بزمنيات وتنفيذ.
مرونة سعر الصرف وتراكم الاحتياطيات بصورة مستدامة، لا عبر حلول مؤقتة.
ماذا يعني التمويل عمليًا؟
تحسين نفسية السوق: لأن موافقة المجلس التنفيذي تُعد “شهادة ثقة” تخفف علاوة المخاطر.
دعم الاحتياطي وتغطية فجوات التمويل: خصوصًا مع احتياجات خدمة الدين وتذبذب إيرادات قناة السويس تحت ضغوط الإقليم والبحر الأحمر (وفق سياق عام تناولته تقارير دولية خلال 2025).
لكن التمويل ليس بديلًا للإصلاح: لأن المشكلة الأساسية ليست “سيولة دولار” فقط، بل قدرة الاقتصاد على توليد العملة الأجنبية عبر صادرات وخدمات وسياحة وتحويلات مستقرة.
3) الوقود: رفع ثم “تجميد لعام”.. لماذا هذا المزيج؟
في 17 أكتوبر 2025 رفعت مصر أسعار الوقود للمرة الثانية خلال العام بنسب تراوحت تقريبًا بين 10.5% و12.7%، ثم أعلنت تجميد الأسعار لمدة عام على الأقل.
الدلالة الاقتصادية
إصلاح مالي… بأقل صدمة اجتماعية: رفع الأسعار يخفف عبء دعم الطاقة ويقلل “فجوة التكلفة”، بينما التجميد يمنح الأسر والشركات قدرة على التخطيط ويقلل احتمالات موجات تضخم متكررة من بوابة النقل واللوجستيات.
رسالة للصندوق والأسواق: أن مسار “التسعير” مستمر، لكن الدولة تحاول إدارة توقيته اجتماعيًا.
الخطر الكامن: إذا ارتفعت أسعار النفط عالميًا أو تراجعت قيمة العملة، فقد يصبح “التجميد” مكلفًا ماليًا أو يخلق فجوة جديدة بين التكلفة وسعر البيع المحلي.
4) كيف تتشابك القرارات الثلاثة في صورة واحدة؟
يمكن تلخيص المشهد في معادلة:
تضخم يهبط → يسمح بخفض الفائدة → يخفف كلفة الدين والنشاط الاقتصادي، بالتوازي مع انضباط مالي نسبي وإصلاح دعم الطاقة، ومع تثبيت ثقة خارجية عبر تقدم برنامج صندوق النقد.
لكن نجاح هذه المعادلة يعتمد على شرطين حاكمين:
استمرار هبوط التضخم دون انتكاسة (خاصة من الوقود والغذاء وسلاسل الإمداد).
تقدم ملموس في الإصلاحات الهيكلية التي يطالب بها الصندوق، لا سيما ملف دور الدولة والتخارجات.
5) سيناريوهات 2026: أين الفرصة وأين المخاطرة؟
السيناريو الإيجابي (الأقرب إذا استمر الاتجاه الحالي)
خفض تدريجي إضافي للفائدة مع استقرار التضخم.
تحسن تكلفة خدمة الدين محليًا.
موافقات الصندوق تعزز تدفقات استثمار/قروض ميسرة.
استقرار نسبي في أسعار الطاقة محليًا بفضل التجميد.
السيناريو الضاغط (إذا تغيرت البيئة الخارجية)
صدمات في أسعار الطاقة أو اضطرابات ملاحة/تجارة.
تراجع تدفقات المحافظ أو زيادة علاوة المخاطر.
عودة التضخم للصعود بما يحد من قدرة المركزي على الخفض.
خفض الفائدة في نهاية 2025 ليس “قرارًا منفردًا”، بل جزء من هندسة أوسع: تهدئة التضخم، تقليل كلفة التمويل، وتثبيت مسار برنامج الصندوق، مع الاستمرار في إصلاح دعم الطاقة دون صدمة تسعيرية متكررة. المكسب الأكبر سيكون إذا تُرجمت هذه الحزمة إلى استثمار خاص وصادرات وتوليد عملة أجنبية—لأن التمويل الخارجي، مهما كبر، يظل “جسرًا” لا “طريقًا دائمًا”.







