شهدت سوق الدين المحلي في مصر خلال ديسمبر 2025 نشاطًا استثنائيًا، مع إعلان وزارة المالية عن خطة لإصدار 41 أداة دين بالجنيه المصري بإجمالي نحو 992 مليار جنيه، في واحدة من أكبر حزم الإصدارات الشهرية خلال العام. ويعكس هذا الزخم مزيجًا من احتياجات التمويل قصيرة الأجل، ومساعي إطالة آجال الاستحقاق، إلى جانب توسيع قاعدة الأدوات عبر الصكوك السيادية.
خريطة الإصدارات: أذون وسندات وصكوك
وفق البرنامج المعلن، تتوزع الإصدارات على:
20 مزاد أذون خزانة بقيمة إجمالية تقارب 780 مليار جنيه، تستهدف إدارة السيولة وتغطية الاحتياجات التمويلية العاجلة.
18 مزاد سندات خزانة بنحو 198 مليار جنيه، لآجال متوسطة وطويلة، في محاولة لإعادة التوازن لمنحنى العائد وتقليل ضغط الاستحقاقات القريبة.
3 مزادات صكوك سيادية بقيمة إجمالية 14 مليار جنيه، في إطار تنويع أدوات التمويل وتعميق سوق الصكوك المحلية.
لماذا هذا الحجم الآن؟
يأتي هذا الحجم الكبير من الإصدارات في توقيت حساس يتزامن مع:
ارتفاع التزامات خدمة الدين خلال الربع الأخير من العام المالي، ما يفرض إعادة تمويل مستمرة.
سياسة إدارة نقدية مشددة نسبيًا يقودها البنك المركزي المصري لضبط التضخم، وهو ما ينعكس على تكلفة الاقتراض.
محاولة إطالة متوسط عمر الدين عبر السندات الأطول أجلًا، للحد من مخاطر إعادة التمويل المتكررة.
الرهان على الطلب المؤسسي المحلي—خاصة البنوك—لاستيعاب الإصدارات دون ضغط مفرط على العوائد.
دلالات سوقية: منحنى العائد تحت المجهر
التركيز الكبير على أذون الخزانة يؤكد استمرار الحاجة إلى أدوات قصيرة الأجل لإدارة التدفقات النقدية، لكنه يضع منحنى العائد تحت اختبار دقيق. ففي حال زادت التغطيات عند مستويات عائد مرتفعة، قد ترتفع تكلفة الدين. بالمقابل، نجاح مزادات السندات الأطول أجلًا بأسعار متوازنة سيُعد إشارة إيجابية على ثقة السوق وقدرة الحكومة على تمديد الآجال دون كلفة إضافية كبيرة.
الصكوك السيادية: توسيع القاعدة لا مجرد تنويع
ورغم محدودية القيمة مقارنةً بالأذون والسندات، تحمل الصكوك السيادية أهمية نوعية؛ إذ تسهم في:
جذب مستثمرين متوافقين مع الشريعة.
تنويع مصادر التمويل وتقليل الاعتماد الأحادي على الأدوات التقليدية.
بناء سجل منتظم لإصدارات الصكوك بما يدعم تسعيرًا أدق مستقبلًا.
نظرة أوسع: ربع مالي ضاغط
يمثل برنامج ديسمبر جزءًا من خطة أوسع للربع الثاني من السنة المالية 2025/2026، حيث تستهدف الحكومة إصدارات محلية كبيرة لتغطية العجز وسداد الاستحقاقات. ويظل التوازن بين الكمية والتكلفة هو التحدي الأبرز: فالإفراط في الإصدارات القصيرة قد يرفع المخاطر، بينما النجاح في السندات الأطول والصكوك يخفف الضغط الهيكلي على الدين.
برنامج الإصدارات الضخم في ديسمبر 2025 يضع سوق الدين المصري أمام اختبار سيولة وثقة في آن واحد. وبينما تلبي الأذون احتياجات فورية، يبقى الرهان الحقيقي على إطالة الآجال وتنويع الأدوات لاحتواء تكلفة الدين وتحسين استدامته. وستكون نتائج التغطية والعوائد خلال هذا الشهر مؤشرًا حاسمًا على اتجاهات السوق مع اقتراب العام الجديد.







