كتب : محمود صلاح
ربما لم يعد يمر شهر واحد حتى يتحدث مجتمع المال والأعمال عن صفقة استحواذ جديدة بالسوق المصرية، لتصبح الاستحواذات الآن بوابة رئيسية للتوسع الرأسي أو الأفقي، بدلا من تأسيس كيان جديد يقطع رحلة الاستثمار والتشغيل من بدايتها.
المثير في نشاط الاستحواذات في عام 2020 هو أنها لم تتركز في قطاع أو قطاعين بعينهما بفضل الأداء المالي أو ظهور فرص جذابة، بل يكاد لا يوجد قطاع لم تطرق الصفقات بوابته حتى هذه اللحظة.
وبنظرة أكثر تدقيقا لسوق الاستحواذات في مصر، فإنها ترتبط بتداعيات جائحة كورونا بشكل رئيسي وإن كانت لا تعدد العامل الوحيد المحفز لها.
بحسب خبراء المال والاستثمار المباشر تتضافر حزمة عوامل في تنشيط بيئة الاستحواذات، أهمها على الإطلاق تأثر سلسلة التشغيل والتدفقات المالية بوباء كورونا الذي خلق حاجة ماسة لإنشاء كيانات أكبر، إلى جانب جاذبية فرص النمو مقارنة بالتقييمات المالية للكيانات محل الاستحواذ.
ولا يمكن أن نغفل الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية التي قطعت مصر شوط كبير فيها على مدار السنوات الخمس الماضية، حتى تحسنت بيئة الاستثمار وارتفع مستويات الأمان والحماية لدخول وخروج الأموال.
التقييمات كلمة السر
“السوق بات ناضجا لجذب المستثمرين سواء من الداخل أو الخارج، ولا يمكن الحديث عن جاذبية قطاع بعينة، بل هناك مجالات عديدة تستقطب الآن الأموال المحلية والأجنبية على حدٍ سواء” عمرو الألفي، رئيس قطاع البحوث ببنك استثمار برايم يوصف نشاط الاستحواذ في مصر خلال عام 2021.
وبحسب الألفي الذي ترأي العديد من قطاعات البحوث في بنوك الاستثمار المصرية، فإن تقييمات الشركات الجذابة ، وتحديدًا المدرجة في سوق المال، تخلق فرص استثمار قوية أمام الشركات الساعية للتوسع”
ويقول إن قطاعات عديدة فرضت نفسها على ساحة الاستحواذات، منها الرعاية الصحية سواء تصنيع الأدوية أو المستشفيات.
وهناك مثالاً حيًا على حديث الألفي، وهو اشتعال منافسة الاستحواذ على شركة الإٍسكندرية للخدمات الطبية – المركز الطبي الجديد المملوك لبنك أبوظبي.
حتى الآن تقدمت 4 شركات بعروض استحواذ حتى 100% من الشركة، وهم التحالف المكون من شركة تواصل هولدنجز للاستثمارات المالية وشركة ماتيرنيتى اند بيدياتريكس هولدنج مقدمًا سعر نقدي يبلغ 52 جنيه للسهم، وشركة تى إيه تى للخدمات التي عرضت 49.04 جنيه للسهم، وشركة مستشفى كليوباترا البالغ متوسط عرضها 38.53 جنيه للسهم، إلى جانب شركة الإمارات المتقدمة للاستثمارات القابضة التي طرحت سعر 47.98 جنيه للسهم.
كما تطرق رئيس قطاع البحوث إلى مجال الخدمات المالية غير المصرفية الذي يشهد نشاطًا جيدًا، يتزامن مع ارتفاع عدد الشركات التي تدخل السوق.
وبنظرة إلى قطاع الخدمات المالية، فإنه شهد خلال الأشهر القليلة الماضية إتمام استحواذ بنك مصر على حصة إضافية قدرها 65.3% من رأسمال شركة سى آى كابيتال القابضة للاستثمارات المالية، ليصبح إجمالى حصة البنك 90% مقابل ما يزيد عن 3 مليارات جنيه.
وهو الاستحواذ الذي وصفه محمد الإتربى، رئيس بنك مصر، بأنه يشكل خطوة رئيسية فى استراتيجية البنك لتحقيق الشمول المالى، عن طريق تنمية كيان قوى للأنشطة المالية غير المصرفية المتنوعة، ما يضمن الوصول لأكبر شريحة من العملاء وتلبية احتياجاتهم التمويلية.
كما أن قطاع الخدمات المالية يشهد الآن سباق قوي للاستحواذ على شرركة الإسكندرية الوطنية للاستثمارات المالية التابعة لمصرف أبوظبي الإسلامي.
حتى الآن، تقدمت شركة كومباس كابيتال للهيئة العامة للرقابة المالية بعرض استحواذ بسعر 5.72 جنيه للسهم، مع عرض شركة كل من شركة تايكون وشركة زيتا للاستثمار الإماراتية سعر 5.6 جنيه و5.48 جنيه للسهم على الترتيب.
طفرة في القطاع البنكي
ربما لم يعتاد السوق على تنفيذ أكثر من صفقة اندماج واستحواذ بالقطاع المصرفي المصري، ولكن 2021 عامًا مختلفًا بفضل عوامل داخلية وخارجية، لاسيما في لبنان الذي أًصدر مصرفها المركزي قرارات لتعزيز المركز المالي للبنوك، ما دفع بعضها للتخارج.
3 صفقات من العيار الثقيل طرحت نفسها على السوق، ففي يناير الماضي أعلن بنك المؤسسة العربية المصرفية ABC عن توقيع اتفاقية مع بلوم للاستحواذ على حصته البالغة 99.4% فى بلوم مصر مقابل 6.7 مليار جنيه، والتي تخضع لموافقات الجهات التنظيمية.
واعتبر خالد سعيد كعوان، الرئيس التنفيذى لمجموعة المؤسسة العربية المصرفية – ABC البحريني، أن هذا الاستحواذ سيضاعف أعمال مصرفه في مصر بمقدار ثلاث مرات.
فيما نجح بنك أبوظبي الأول في إتمام الاستحواذ على 100% من رأسمال بنك عوده-مصر، والذي بلغت أصوله الإجمالية 85.6 مليار جنيه تقريبًا حتى ديسمبر 2020، علاوة على ضم منظومة أعمال البنك في قطاعي خدمات التجزئة المصرفية والخدمات المصرفية للشركات من خلال شبكة فروع تشمل 53 فرعًا.
ولم يتوقف القطاع عند هذا الحد، فقد وقع تحالف صندوق مصر السيادي والمجموعة المالية هيرميس القابضة، اتفاقية للاستحواذ على حصة 76% من أسهم بنك الاستثمار العربي، عن طريق زيادة رأسمال البنك إلى 5 مليارات جنيه.
ويعلق أيمن أبوهند، الشريك المؤسس ومدير الاستثمار لشركة Advisabl الأمريكية للاستثمار، على هذا النشاط الاستثنائي للاستحواذات المصرفية، بأن البنوك الخاصة تجذب مؤسسات منافسة وصناديق استثمار تعمل في القطاع المالي، للاستفادة من نمو القطاع وكذلك الاستقرار الذي يتمتع به.
تكنولوجيا المدفوعات المالية تترك بصمتها
وفي قطاع ذات صلة بالنشاط البنكي، يشهد مجال تكنولوجيا المدفوعات المالية اهتماما أكبر لاسيما من جانب البنوك، إذ يشير أبوهند إلى أن السوق شهد النمو القوي الذي حققه سعر سهم شركة خدمات الدفع الإلكتروني فوري حتى تخطت القيمة السوقية للشركة مليار جنيه.
ويضيف “في ضوء ذلك شهدنا تنفيذ صفقات بالسوق، أبرزها شراء البنك الأهلى المصرى 24% من أسهم رأسمال شركة أمان لتكنولوجيا الخدمات المالية غير المصرفية والمدفوعات الإلكترونية التابعة لشركة راية القابضة، مقابل 480 مليون جنيه.
كورونا وانخفاض الأسعار
تطرق إيهاب رشاد، نائب رئيس مجلس إدارة شركة مباشر كابيتال هولنج للاستثمارات المالية، إلى تأثير فيروس كورونا السلبي على أسعار الأسهم والشركات داخل السوق المصرية، ما خلق دوافع للاستحواذ بقطاعات شتى مثل الأدوية والتكنولوجيا المالية.
ويؤكد رشاد أنه لا يمكن قصر النشاط على هذه القطاعات فقط، فما زال السوق يظهر كل يوم فرصًا جديدة واعدة بقطاعات أخرى.
وتتجلى رؤية رشاد في ترقب قطاع الخدمات اللوجستية صفقة بين الشركة المصرية لخدمات النقل – ايجيترانس وشركة إتش إيه يوتيليتز، حيث تدرس الرقابة المالية القيمة العادلة للشركتين، علمًا بأن الأخيرة قيمت إيجيترانس بنحو 414 مليون جنيه.
كما أن قطاع التصنيع شهد توقيع شركة راية القابضة عقد بيع شركتها التابعة بريق لتقنيات الصناعات المتطورة إلى شركة انترو لإدارة المخلفات وإعادة التدوير القابضة بقيمة قدرها 490.7 مليون جنيه.
نصيب مصر والشرق الأوسط فى 2020
وخلال الربع الأول من العام الماضى 2020 ، بحسب أخر الاحصائيات المتاحة ، انخفضت قيمة الاستحواذات بالشرق الأوسط بنسبة 90% على أساس سنوى ، لتصل إلى 9.28 مليار دولار تحققت من 95 صفقة، مقارنة بـ 109 صفقة بقيمة إجمالية 88.27 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، بحسب تقرير بيكر ماكنزي.
لكن قيمة الصفقات ارتفعت على أساس ربع سنوي، إذ كانت قد حققت 4 مليارات دولار فقط في الربع الأخير من العام السابق. ونفذ نحو 63% من عمليات الاندماج والاستحواذ في المنطقة خلال الربع الأول من 2020 عبر الحدود، في حين انخفض إجمالي قيمة العمليات المحلية بنسبة 94% على أساس سنوي.
وكانت مصر أكبر سوق مستهدفة لصفقات الدمج والاستحواذ الصادرة في المنطقة بقيمة 2.4 مليار دولار، وذلك بسبب صفقة الاستحواذ المزمعة من جانب شركة الاتصالات السعودية على حصة مجموعة فودافون العالمية في شركة فودافون مصر.
وشهد الربع الأول تراجعا حادا في قيمة أنشطة الاندماج والاستحواذ في المنطقة مقارنة بالمتوسط العالمي، إذ انخفضت بنسبة 70.5% على أساس سنوي لتصل إلى 4.29 مليار دولار، فيما ارتفع حجم العمليات على مستوى العالم بنسبة 9.4% على أساس سنوي.
عقد كامل من صفقات الاستحواذ
وبالعودة الى العقد السابق اى الفترة ما بين 2010 و 2019 “، ارتفع عدد صفقات الاندماج والاستحواذ على مستوى العالم خلال السنوات العشر بعد انتعاش الاقتصاد العالمي مع انتهاء الأزمة المالية العالمية في 2010.
وارتفعت صفقات الاندماج والاستحواذ على مستوى العالم خلال السنوات العشر الماضية إلى 464.43 ألف صفقة بنسبة ارتفاع 25% مقارنة بالسنوات العشر السابقة.
وبلغت قيمة هذه الصفقات خلال العقد الماضي نحو 34.3 تريليون دولار، حسب مجلة “فورتشن” الدولية الأمريكية.







