انتبه العالم – بعد الأزمة المالية العالمية في 2008 – الي تفاقم ظاهرة التهرب الضريبي الدولي ، وتأثير انتشار استخدام الملاذات الآمنة وانعدام الشفافية على اقتصادات معظم الدول مما خلف خسائر كبيرة لتلك الدول خلال تلك الأزمة ، وقد تم اعلان تقديرات تشير إلى أن حجم الخسائر التي تتكبدها الدول سنويا يتراوح بين 4٪ إلى 10٪ من الإيرادات العالمية لضريبة الدخل على الشركات (أي من 100 إلى240 مليار دولار أمريكي سنويًا). تلك الخسائر هي نتيجة مجموعة متنوعة من الأسباب أهمها التخطيط الضريبي الضار .
لذلك أصبحت الموضوعات الضريبية الدولية تحتل صدارة أولويات الأجندة السياسية بدرجة غير مسبوقة،
ولأن مكافحة التهرب الضريبي الدولي تتطلب تكاتف الدول وتبادل المعلومات والخبرات فيما بينها
واتخاذ إجراءات سريعة وجريئة في نفس الوقت.
ونظرا لان إطار عمل الضرائب الدولية الحالي، والذي يرجع تصميمه إلى ما يزيد عن قرن مضى،
أظهر أوجه ضعف عديدة أدت بدورها إلي ما يطلق عليه تآكل الوعاء الضريبي وتحويل الأرباح ( BEPS )،
الأمر الذي تطلب اتخاذ إجراءات جريئة من جانب صانعي السياسات لاستعادة الثقة في النظام الضريبي الدولي ،
وضمان فرض الضرائب على الأرباح في الدولة التي تجري فيها الأنشطة الاقتصادية وحيث يتم خلق القيمة.
مجموعة ال 20 وضعت قواعد للحد من التهرب
لذلك قام قادة مجموعة العشرين بوضع قواعد بشأن تطبيق الحد الأدنى من معايير تآكل الوعاء الضريبي وتحويل الأرباح (BEPS).
حيث تم وضع معايير دولية جديدة بالإضافة إلى تدابير ملموسة تستهدف مساعدة البلدان بشأن BEPS.
هذا بصفة عامة ، أما بالنسبة لمصر فقد نفذت الحكومة المصرية العديد من الإصلاحات في مجال السياسات الضريبية
بدأ من عام ٢٠١٦ استهدفت زيادة نسبة الضرائب الي الناتج المحلي الإجمالي ،
واعتمدت هذه السياسة على توسيع القاعدة الضريبية واستقرار التشريعات ومنع التآكل في وعاء ضريبة الدخل على الشركات.
مصر انضمت للاتفاق الدولى
وقد انضمت مصر للعمل الضريبي الدولي على قدم المساواة مع الدول الأخرى لمعالجة التهرب الضريبي الدولي
ووضعت الإطار القانوني والإداري اللازم لتنفيذ إجراءات BEPS .
وكان ذلك من خلال عدة إجراءات بدأت في 2016 بعضوية مصر في الإطار الشامل (IF) بشأن BEPS.
وبعدها في 2017 تم التوقيع على الاتفاقية متعددة الأطراف MLI التي صُدق عليها في سبتمبر 2020.
ليس هذا فحسب ما اتخذته مصر من إجراءات بل تم عام 2018 تحديث الإرشادات المصرية لتسعير المعاملات
وإصدار الدليل المصري لإعداد التقارير الخاصة بكل دولة CbCR.
وما تحتاجه مصر حاليا هو تطبيق المعايير الدولية بشأن الشفافية الضريبية والاستخدام الفعال لأدوات تبادل المعلومات (EOI) مما سيوفر مساعدة كبيرة لمصر في ردع ومكافحة التهرب الضريبي الدولي. فعلى سبيل المثال، احتلت مصر المرتبة رقم 20 بين الدول التي لديها أكبر مبالغ بالدولار في الحسابات الخارجية المخفية التي ظهرت في “الملفات السويسرية” المسربة.
ولمواجهة هذا الأمر نحتاج إلى مزيد من الشفافية للوصول لمعلومات حقيقية تفيد في ملاحقة المتهربين من الضرائب ، لذلك من الضروري السماح لمصلحة الضرائب المصرية بالوصول للمعلومات المصرفية لأغراض مكافحة التهرب الضريبي الدولي، من خلال تشريع يسمح للمصلحة بالحصول على تلك المعلومات المصرفية بشروط معينة وفي نطاق محدد بما لا يخل بنظام سرية الحسابات ، أسوة بالشعار الذي تبنته مجموعة العشرين”The era of banking secrecy is over” أي ” لقد انتهي عصر السرية المصرفية “.
ولابد هنا أن أشير الي عدة أمور يجب على مصر اتباعها لاستكمال الخطوات التي بدأتها لمواجهة التهرب الضريبي الدولي وهي:
-بدء الخطوات الفعلية لتنفيذ الاتفاقية متعددة الأطراف(MLI) ، وإصدار التعليمات الإرشادية بشأنها وخاصة فيما يتعلق بتحديد متطلبات الأنشطة الاقتصادية الفعلية Economic Substance Requirements.
-اتخاذ الخطوات اللازمة للتأكد من أن مصلحة الضرائب المصرية لديها الموارد التكنولوجية والبشرية اللازمة لتحسين قدرة موظفي إدارة الضرائب الدولية لإجراء عمليات فحص ضريبي فعالة.
– تطبيق المعايير الدولية بشأن الشفافية الضريبية والاستخدام الفعال لأدوات تبادل المعلومات ، بما يسمح لمصر بالتوقيع على الاتفاقية متعددة الأطراف بشأن المساعدة الإدارية المتبادلة في المسائل الضريبية ((MAC .
وأخيرا.. أثبتت الأحداث أن قضية التهرب الضريبي ليست امرا محليا يخص كل دولة على حدة ، بل هي شأن دولي عام يتطلب التعاون الجماعي بين الدول ومواكبة التطورات ومتابعة كل ما هو جديد بشأنها.







