وضعت الحكومة المصرية تقديراتها لمشروع موازنة العام المالي 2026/2027 على أساس سعر خام برنت عند 75 دولارًا للبرميل، وهو الافتراض الذي تبني عليه حسابات دعم الطاقة وتكلفة استيراد المنتجات البترولية، في وقت أصبحت فيه أسواق النفط العالمية أكثر حساسية للتطورات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
وتأتي هذه التقديرات في أعقاب فترة من التقلبات الحادة شهدتها أسعار النفط خلال الشهرين الماضيين، بعدما دفعت المخاوف من اتساع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وتهديدات حركة الملاحة في مضيق هرمز الأسعار إلى مستويات مرتفعة، قبل أن تعود للانخفاض مع تقدم المفاوضات وإعلان التوصل إلى إطار اتفاق لوقف الحرب وعودة الإمدادات الإيرانية المحتملة إلى الأسواق.
رحلة النفط خلال شهرين.. من علاوة الحرب إلى ضغوط الهبوط
شهدت أسعار النفط خلال الفترة الماضية تحركات حادة بين الصعود والهبوط:
في بداية تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، ارتفعت المخاوف من اضطراب إمدادات الشرق الأوسط، ما دفع خام برنت إلى الاقتراب من مستويات 100 دولار للبرميل، حيث سجل في إحدى جلسات يونيو نحو 96 دولارًا مع تصاعد القلق بشأن مسار الحرب والمفاوضات.
خلال نهاية مايو، بدأت الأسواق في تسعير احتمالات التوصل إلى اتفاق، وهو ما دفع الأسعار للانخفاض؛ إذ تراجع برنت إلى نحو 92 دولارًا للبرميل، بينما هبط خام غرب تكساس إلى حوالي 87 دولارًا مع ترقب إعلان هدنة بين الأطراف.
ومع الإعلان عن تقدم اتفاق أمريكي إيراني وإمكانية إعادة فتح مضيق هرمز وعودة تدفقات النفط الإيرانية، تعرضت الأسعار لموجة هبوط جديدة، مع نزول برنت إلى أقل من 80 دولارًا للبرميل، وهو أدنى مستوى خلال عدة أشهر، بفعل توقعات زيادة المعروض العالمي.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لموازنة مصر؟
افتراض الـ 75 دولارًا للبرميل يعني أن الحكومة بنت حساباتها على سيناريو متوسط، لا يفترض عودة النفط إلى مستويات الأزمات، لكنه في الوقت نفسه لا يفترض استمرار أسعار منخفضة للغاية.
وفي حال استقرت الأسعار حول هذا المستوى، فإن الحكومة ستكون أمام مساحة للاستمرار في سياسة إعادة هيكلة دعم الطاقة تدريجيًا، دون الحاجة إلى قرارات حادة.
لكن الخطر الرئيسي يكمن في عودة ما يسمى بـ”العلاوة الجيوسياسية” إلى أسعار النفط، أي الزيادة التي يدفعها المستثمرون بسبب مخاطر الحروب وتعطل الإمدادات.
السيناريو الأول: النفط بين 75 و90 دولارًا
إذا عادت الأسعار للتحرك فوق تقديرات الموازنة، لكن ظلت أقل من حاجز الـ100 دولار، فمن المرجح أن تتجه الحكومة إلى:
استمرار آلية المراجعة الدورية لأسعار الوقود.
تمرير جزء من الزيادة إلى السوق المحلية.
الاعتماد على خفض الاستهلاك وتحسين كفاءة الطاقة.
وفي هذا السيناريو، قد لا يكون هناك احتياج إلى زيادات كبيرة في أسعار الطاقة، لكن استمرار الأسعار المرتفعة عدة أشهر قد يدفع إلى مراجعة حسابات الدعم.
السيناريو الثاني: النفط فوق 100 دولار بسبب أزمة جديدة
عودة التصعيد في الشرق الأوسط، أو تعثر اتفاق إيران وأمريكا، قد تعيد المخاوف المتعلقة بمضيق هرمز، وهو أحد أهم ممرات تجارة الطاقة عالميًا.
وفي هذه الحالة ستواجه الموازنة المصرية ضغوطًا مزدوجة:
ارتفاع تكلفة استيراد الوقود.
زيادة الضغط على العملة الأجنبية.
ارتفاع فاتورة الدعم إذا لم تتحرك الأسعار المحلية.
وهنا يصبح رفع أسعار الطاقة خيارًا أكثر ترجيحًا، خاصة إذا استمر النفط فوق مستويات الموازنة لفترة طويلة.
هل سترفع الحكومة أسعار الطاقة في 2026/2027؟
القرار لن يرتبط فقط بوصول النفط إلى مستوى معين، ولكن بمدى استمراره.
ففي حالة عودة الأسعار إلى نطاق 75 دولارًا أو أقل، فإن الحكومة قد تواصل تنفيذ خطتها الحالية دون زيادات كبيرة.
أما إذا تحرك النفط إلى 90 أو 100 دولار واستقر عندها، فإن احتمالية تحريك أسعار الوقود ترتفع، خصوصًا أن الدولة تسعى إلى تقليص الفجوة بين تكلفة توفير المنتجات البترولية وسعر بيعها للمستهلك.
السولار يظل نقطة الاختبار الأصعب
رغم أن البنزين هو الأكثر ارتباطًا بالمستهلكين، فإن السولار يمثل التحدي الأكبر أمام الحكومة، لأنه يدخل في تكلفة النقل والزراعة والإنتاج.
وأي زيادة كبيرة في سعره قد تنعكس على معدلات التضخم، وهو ما يجعل التعامل معه أكثر حساسية من باقي المنتجات.
موازنة 2026/2027 بين سيناريو الاستقرار وصدمات النفط
تدخل الحكومة المصرية العام المالي الجديد وهي تراهن على افتراض نفطي عند 75 دولارًا للبرميل، وهو رقم قد يبدو واقعيًا في ظل انفراجة التوترات الحالية، لكنه يظل معرضًا للاختبار مع استمرار هشاشة المشهد الجيوسياسي.
فإذا استمر اتفاق إيران وأمريكا وارتفعت الإمدادات العالمية، فقد تحصل مصر على فرصة لتخفيف ضغوط دعم الطاقة.
أما إذا عادت التوترات وارتفعت الأسعار مجددًا، فإن ملف الطاقة سيكون أمام اختبار جديد بين الحفاظ على الإصلاح المالي، وبين منع انتقال صدمة النفط إلى المواطنين والأسواق.







