لا يزال سعر الفائدة في مصر من أهم وأصعب الملفات التي تشغل بال المواطنين والمستثمرين و ربما الحكومة المصرية نفسها؛ فمع استقرار أسعار الفائدة وانضباطها يعني مزيد من الاستقرار وربما الانتعاش الاقتصادي خصوصا وأن أحد مؤشرات جذب الاستثمار المحلي أو الأجنبي يتضمن استقرار الفائدة .
في مصر علي سبيل، الجهة المنوطة بتحديد سعر الفائدة هي البنك المركزي المصري عبر لجنة السياسات النقدية التابعة للبنك؛ والتي تقوم بتحديد سعرالفائدة كل خميس كل شهر أو شهر ونصف؛ وبالتالي تقوم البنوك المصرية البالغ قوامها حتي الآن 38 بنكا حكوميا وخاصا بتحريك سعر الفائدة للكل المنتجات سواء الحسابات البنكية من حسابات جارية أو ودائع أو دفتر توفير وغيرها أو برامج تمويل ” القروض” وبأسعار فائدة تتماشي مع ما حددته لجنة السياسات النقدية.
في اخر اجتماع للجنة السياسيات النقدية بالبنك المركزي والذي كان في 18 مايو الماضي وهو الاجتماع الثالث المحدد ذلك العام من أصل 8 اجتماعات مخططة هذا العام؛ إذ تم تثبيت سعر الفائدة في البنوك عند 18.25% لعائد الإيداع و 19.25% لسعر الاقتراض لليلة واحدة و 18.75% لسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي و 18.75% لكلا من سعر الإئتمان و سعر الخصم.
تراعي لجنة السياسات النقدية في عمليات تخفيض او تثبيت أو حتي رفع، سعر الفائدة؛ ضرورة أن تتوافق معدلات الفائدة مع نسب التضخم بحيث لا يمكن ان ترتفع معدلات التضخم و يتم ثبات سعر الفائدة أي أن عمليات رفع سعر الفائدة أو تخفيضها ينبغي ان يراعي تخفيض معدلات التضخم خشية أن تزيد الاسعار وترفع نسب البطالة وبالتالي ستؤثر علي النشاط الاقتصادي.
خلال الأسابيع الماضية اعلنت مجموعة من البنوك في مصر في مقدمتها البنك الأهلي المصري أحد أكبر بنوك الحكومة؛ عن دراسة طرح شهادة بالدولار بعائد 17% وهي أعلي فائدة بالعملة الأجنبية ولمدة 3 سنوات بقيمة 1000 دولار ومضاعفاته لمدة 3 سنوات، إذ اطلق علي تلك الشهادة ” المستقبل” ، والإكتتاب في تلك الشهادة بعائد شهري 16.75% .
وسمح البنك الأهلي للأفراد سواء المصريين أو الأجانب أو حتي مزدوجي الجنسية بالإكتتاب في تلك الشهادات سواء داخل مصر أو من الخارج
و مع مطلع الشهر الحالي تم طرح شهادة ادخار من البنك الأهلي المصري بعائد 10% بقيمة 1000 دولار ومضاعفاته لمدة 3سنوات علي أن يتم صرف العائد كل 3 شهور أو بعائد 9.85% كل شهر، لنفس الفئات السابقة.
مصادر مصرفية أكدت أن البنوك المصرية كشفت عن وجود اجراءات داخل الجهاز المصرفي بالعمل علي جذب أكبر قدر من النقد الأجنبي من خلال تلك الشهادات بعد انخفاض تحويلات المصريين العاملين بالخارج في النصف الأول من العام المالي الجاري معدلات وصلت لـ 23% علي أساس سنوي مسجلة 12 مليار دولار في الفترة ممن يوليو حتي ديسمبر 2023/2022 بتراجع قدره 3.6 مليار دولار عن الفترة المناظرة من العام المالي السابق، وفقا لتقرير ميزان أداء المدفوعات الصادر عن البنك المركزي المصري.
وقالت المصادر إن تلك الاجراءات تسعي لبناء مصادر من العملات الأجنبية لتقوية وتعزيز مركز الاحتياطي النقدي والذي سجل خلال إبريل الماضي ٣٤.٥٥١ مليار دولار بزيادة تبلغ ١١٠ ملايين دولار علي أساس شهري ، حيث وصل لـنحو ٣٤.٤٤١ مليار دولار في مارس 2023؛ بالاضافة لبقاء الدولار في مصر عند درجات مستقرة والسيطرة عليه داخل السوق الرسمي .
وبالتالي فإن الممارسات التي ستجري تعد بمثابة محاولات لتقليل الضغط علي العملة الأجنبية و قلة الطلب عليها، ضمن اجراءات الحكومة والبنك المركزي المصري لتحقيق الضبط المالي والاقتصادي والنقدي، بعد التوصل لاتفاق شبه مسدود مع صندوق النقد الدولي لاستكمال برنامج التمويل بقيمة 3 مليارات دولار لدعم عجز الموازنة، إذ تعهدت مصر بإعطاء مرونة علي سياساتها المالية والنقدية.
وطلب صندوق النقد خلال الاتفاق الموقع بين ادارة الصندوق و البنك المركزي المصري ووزارة المالية قبل نهاية العام الماضي؛ أن يتم اعطاء مرونة في سعر الصرف الأجنبي وتشجيع القطاع الخاص علي العمل دون قيود و اتباع سياسيات ضريبية و حماية الفئات الأولي بالرعاية واستكمال برنامج طرح الشركات العامة في البورصة المصرية.
مع اقتراب اجتماع لجنة السياسات النقدية وهو الاجتماع الرابع هذا العام والذي سيتم عقده في 22 يونيو المقبل، قد تلجأ سلطات النقد في مصر لتحسين من وتيرة الوضع الاقتصادي والنقدي من خلال الإبقاء علي سعر الفائدة في صورة مستقرة و رفع سعر الفائدة بمعدلات طفيفة جدا لامتصاص صدمات السوق بفعل استمرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها علي سلاسل الإمداد والتوريد والسلع الاستراتيجية، في ظل محاولات مجلس الاحتياطي الفيدرالي تهدئة الأوضاع الاقتصادية والنقدية لديه مع اعطاء مرونة في سياساته التشددية نحو رفع سعر الفائدة علي مدار جاوز 10 مرات ارتفع فيها سعر الفائدة عند 5.25% ، إذ يخطط لتثبيت سعر الفائدة في الوقت الحالي مؤقتا لتهدئة الرأي العا بعد اعلان البيت الأبيض التوصل لاتفاق مع الكونجرس يقضي برفع الحد الأقصي للدين العام الأمريكي البالغ 31,4 تريليون دولار خلال الشهر الجاري وهو ما يضع الإدارة الأمريكية في مأزق كبير.
ويعني استمرار تثبيت سعر الفائدة في مصر هو نجاح مصر في الخروج من عباءة التبعية للدولار وتوجه الدولة المصرية نحو التكتلات الاقتصادية الدولية والإقليمية الأخري مثل تكتل بريكس و تكتلات الدول الافريقية خصوصا جمعية البنوك المركزية الإفريقية والتي قادت مصر رئاستها خلال العام الجاري واستضافت فعاليات البنك الافريقي للتنمية قبل اسابيع سابقة.وهو نوع من الرد الذي اتخذته مصر علي محاولات مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية من بينها فيتش وستاندر آند بورز، والتي تضمنت وضع مصر في تصنيف سلبي في مؤشر الاستثمار و استقرار العملة الأجنية بإيعاز من صندوق النقد الدولي بعد تأثر الاتفاق الإطاري فيما بينهما.







