يأتي تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2025 ليكشف صورة مقلقة عن أوضاع الديون والسياسات المالية على مستوى العالم، في وقت تتزايد فيه حدة عدم اليقين وتتعاظم الضغوط على الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء.
فاللغة المستخدمة في هذا الجزء من التقرير تتسم بوضوح لم تلجأ إليه المؤسسة الدولية منذ سنوات، إذ يقرّ الصندوق بأن العالم “لا يزال يواصل ارتفاعه نحو مستويات مديونية غير مسبوقة”.
ديون تتجاوز 100 تريليون دولار… والاتجاه صاعد
وفقًا لبيانات التقرير، بلغ الدين العالمي نحو 100 تريليون دولار في 2024، فيما يمثل ما يقارب 270% من إجمالي الناتج المحلي العالمي.
وهذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات، بل تعكس اتجاهًا مستمرًا منذ سنوات رغم محاولات التشديد المالي في بعض الاقتصادات الكبرى.
تؤكد الأرقام أن مستويات الدين العام لا تُظهر أي علامة على التراجع، بل تتجه إلى المزيد من الارتفاع، مدفوعة بتكاليف الاقتراض، اتساع عجز الموازنات، وارتفاع الإنفاق الحكومي المرتبط بدعم الطاقة والغذاء، ومعالجة تداعيات الحروب والمناخ.
المالية العامة بين الضبط المالي وتكاليف التصحيح
تُظهر جداول التقرير الخاصة بـ رصيد المالية العامة على مستوى الحكومات من 2019 إلى 2030 أن معظم المناطق الاقتصادية لن تعود إلى مستوياتها السابقة من الانضباط المالي قريبًا.
فالعدد الكبير من الدول يسجل رصيدًا ماليًا سلبيًا، مع توقعات باستمرار العجز خلال السنوات المقبلة.
ويشير التقرير إلى أن التصحيح المالي المطلوب بات “أكثر إلحاحًا وأكثر صعوبة”، خصوصًا في الدول التي تواجه:
ارتفاع عبء خدمة الدين
انخفاض الإيرادات
تقلبات أسعار الصرف
تراجع الاحتياطيات
انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي
كما يحذر التقرير من أن ارتفاع أسعار الفائدة العالمية يزيد العبء على السندات الحكومية، ما يؤدي إلى كلفة أعلى للاقتراض ويضغط على النشاط الاقتصادي.
أسواق ناشئة تحت ضغط… وديونها عند مستويات حرجة
الدول النامية منخفضة الدخل تواجه، بحسب التقرير، “تحديات مالية نادرة القسوة”، إذ ارتفعت نسبة البلدان ذات المخاطر العالية إلى 60% من اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية، وهي أعلى نسبة منذ عقد.
ويربط التقرير هذا التدهور بالعوامل التالية:
تراجع الإيرادات الحكومية مقابل زيادة النفقات
ارتفاع تكاليف الاقتراض الخارجي
عدم القدرة على جذب استثمارات طويلة الأجل
انخفاض الإنتاجية
الصدمات المناخية المتكررة
ويحذر الصندوق من أن بعض هذه الدول “تقترب من نقطة اللاعودة” إذا لم تبدأ في معالجة التشوهات المالية بشكل عاجل.
الاقتصادات الكبرى ليست في مأمن
حتى الاقتصادات المتقدمة، رغم نضج أسواقها وقدرتها على الاقتراض بعملاتها المحلية، تبدو معرضة لضغوط مالية هي الأخرى، مع ارتفاع مستويات الدين وتصاعد تكاليف الفائدة، ما يجعل مسار التراجع في الدين العام أكثر بطئًا مما كان متوقعًا.
وتُظهر الجداول الخاصة بالمالية العامة أن: الولايات المتحدة و عدة دول أوروبية و اليابان تسجل مستويات مرتفعة من العجز والديون، ولا يتوقع التقرير تحسنًا سريعًا في هذه الاتجاهات خلال السنوات الخمس المقبلة.
رسالة صندوق النقد: دون إصلاحات… لا يوجد مسار آمن
يخلص التقرير إلى أن استدامة الدين صارت تتطلب:
إصلاحات ضريبية أوسع
استهدافًا أدق للدعم
ضبطًا ماليًا متوسط الأجل
تحسينًا للحوكمة والشفافية
تعزيزًا لأسواق رأس المال المحلية
دعمًا أكبر للقطاع الخاص المنتج
كما يربط التقرير بين استقرار المالية العامة وقدرة الدول على مواجهة الأزمات المتتالية، مشيرًا إلى أن “الاستقرار لا يمكن تحقيقه داخليًا فقط، بل يجب أن يواكبه توازن خارجي وتدفقات رأسمالية مستقرة”.







