في لحظة فارقة تجمع بين العلم والسياحة والاقتصاد الثقافي، يواصل المتحف المصري الكبير ترسيخ مكانته كأحد أهم المشروعات الحضارية في القرن الحادي والعشرين، ليس فقط بوصفه أكبر متحف مخصص لحضارة واحدة، بل كمنصة حية تُدار فيها المعرفة أمام الجمهور. أحدث فصول هذه السردية يتمثل في عرض عملية ترميم وإعادة تجميع سفينة الملك خوفو الثانية على مرأى من الزوار، في تجربة نادرة عالميًا تمزج بين البحث الأثري والخبرة السياحية المباشرة.
ترميم أمام الجمهور… سياحة تشاركية
يقدّم المتحف نموذجًا جديدًا لما يُعرف بـ«السياحة التشاركية»، حيث لا يكتفي الزائر بمشاهدة القطع النهائية، بل يتابع مراحل العمل العلمي الدقيقة. فالسفينة—وهي أثر عضوي فريد—تُعاد دراستها وتجميعها داخل بهو مخصص، بما يتيح فهمًا أعمق لتقنيات المصريين القدماء في الملاحة والطقوس الجنائزية، ويحوّل الزيارة إلى رحلة تعليمية متكاملة.
قيمة أثرية واقتصادية
تكتسب سفن الشمس مكانتها من ارتباطها الوثيق بطقوس الانتقال إلى العالم الآخر، وقد عُثر على السفينة الثانية قرب أهرامات الجيزة مفككة داخل حفرة محكمة الإغلاق لعقود. إعادة تقديمها اليوم لا تُثري المعرفة فحسب، بل تضيف عنصر جذب طويل الأمد ينعكس على متوسط مدة الإقامة السياحية، ويعزّز الطلب على الخدمات الثقافية المحيطة.
المتحف كمحرّك للنمو السياحي
يتزامن هذا الزخم الثقافي مع تعافٍ ملحوظ للقطاع السياحي المصري، مدفوعًا بتنوع المنتجات من الآثار إلى التجارب التفاعلية. ويُتوقع أن يسهم المتحف—ببرامجه المتجددة—في دعم استدامة التدفقات السياحية، لا سيما من الأسواق بعيدة المدى الباحثة عن تجارب معرفية أصيلة، بما يرفع العائدات غير التقليدية ويُحسّن صورة المقصد المصري عالميًا.
رسالة أبعد من العرض
ما يقدمه المتحف المصري الكبير يتجاوز العرض المتحفي التقليدي؛ إنه إعلان عن فلسفة جديدة لإدارة التراث، حيث الشفافية العلمية، والتواصل مع الجمهور، وربط الثقافة بالاقتصاد. ومع اكتمال عرض السفينة بعد سنوات من العمل، سيشهد العالم مثالًا حيًا على كيف يمكن للتراث أن يصبح قوة ناعمة مولّدة للقيمة، لا مجرد ذاكرة محفوظة خلف الزجاج.







