لم تكن التحركات الأخيرة في ملف الأصول الحكومية مجرد صفقات متفرقة، بل تعكس تحولًا تدريجيًا في طريقة إدارة الدولة للأصول الاقتصادية، عبر إعادة الهيكلة، وإدخال مستثمرين من القطاع الخاص، وتجهيز بعض الكيانات للطرح أو التمويل، في إطار برنامج أوسع يرتبط بالإصلاحات المطلوبة ضمن برنامج صندوق النقد الدولي.
خلال الأسابيع الأخيرة ظهرت عدة ملفات متوازية: إعادة هيكلة «وطنية»، تجهيز أصول لإصدار صكوك سيادية، إعادة إحياء برنامج الطروحات وعلى رأسها بنك القاهرة، إلى جانب التحرك في أصول الطاقة مثل جبل الزيت.
القاسم المشترك بين هذه الملفات هو محاولة الانتقال من مفهوم الأصل الحكومي باعتباره كيانًا تشغيليًا فقط، إلى اعتباره أصلًا اقتصاديًا يمكن تعظيم قيمته وجذب استثمارات حوله.
أولًا: «وطنية».. من أصل تابع للخدمة الوطنية إلى نموذج شراكة مع القطاع الخاص
يمثل ملف محطات «وطنية» أحد أكثر الملفات دلالة، لأنه يتعلق بأحد الأصول التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية.
الاتفاق الأخير لا يعني خروج الدولة من النشاط بالكامل، وإنما إعادة هيكلة الملكية والتشغيل، حيث تم نقل حصة من 172 محطة وقود تعمل تحت العلامة التجارية «وطنية» إلى شركة «كويك فيول» الجديدة، بالشراكة مع شركة «طاقة عربية» المدرجة في البورصة المصرية.
وتستحوذ «طاقة عربية» على 10% من «كويك فيول»، مع أحقية زيادة حصتها إلى 15% عند طرح الشركة في البورصة، إضافة إلى دور في الإدارة والتشغيل.
الأهمية الاقتصادية للخطوة لا ترتبط فقط بقيمة المحطات، لكنها تحمل عدة رسائل:
تحويل أصل تشغيلي إلى شركة قابلة للاستثمار: فبدلا من بقاء الأصل داخل هيكل حكومي، يصبح له نموذج حوكمة وشريك استراتيجي.
رفع الكفاءة التشغيلية: دخول شركة متخصصة في الطاقة والتوزيع قد يسمح بالتوسع وإضافة خدمات جديدة.
تهيئة الأصل لسوق المال: وهو ما يتوافق مع فلسفة برنامج الطروحات الحكومية.
وهنا تظهر العلاقة مع صندوق النقد؛ فالصندوق لا يركز فقط على بيع أصول، لكنه يدفع باتجاه تقليل هيمنة الدولة على النشاط الاقتصادي وفتح مساحة أكبر أمام القطاع الخاص.
ثانيًا: الصكوك السيادية.. استخدام الأرض كأداة تمويل وليس مجرد أصل غير مستغل
التحرك الخاص بتخصيص أراضٍ في البحر الأحمر لصالح وزارة المالية لاستخدامها في إصدار صكوك سيادية يمثل اتجاهًا مختلفًا عن الطروحات.
بدلا من بيع الأرض للحصول على سيولة، يتم إدخالها ضمن منظومة مالية يمكن من خلالها إصدار صكوك مرتبطة بأصول.
الهدف هنا هو:
تنويع أدوات التمويل أمام الدولة.
جذب شريحة جديدة من المستثمرين الباحثين عن أدوات متوافقة مع الشريعة.
الاستفادة من الأصول غير المستغلة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية.
لكن نجاح هذا النموذج يعتمد على قدرة الدولة على تحديد قيمة عادلة للأصل، ووضوح آلية استخدام العوائد، حتى لا تتحول الأصول إلى مجرد ضمانات للحصول على تمويل.
ثالثًا: بنك القاهرة.. لماذا يظل أحد أهم ملفات الطروحات؟
ملف بنك القاهرة يختلف لأنه يتعلق بأصل مصرفي جاهز وله نشاط وربحية وسوق قائم.
محاولات طرح البنك سبق أن توقفت بسبب ظروف الأسواق، لكن عودة الحديث عنه تأتي في إطار إحياء برنامج الطروحات الحكومية.
أهمية الطرح لا تكمن فقط في حصيلة البيع المحتملة، وإنما في عدة نقاط:
زيادة نسبة الأسهم الحرة في السوق المصرية.
جذب مستثمرين مؤسسيين.
تعزيز شفافية الإدارة والحوكمة.
كما أن طرح بنك كبير مثل القاهرة يمثل اختبارًا لقدرة السوق المصرية على استقبال طروحات حكومية كبيرة بعد فترة من التحديات المرتبطة بالسيولة وظروف الأسواق العالمية.
رابعًا: جبل الزيت.. من مشروع طاقة إلى أصل استثماري
يمثل مشروع جبل الزيت لطاقة الرياح نموذجًا مختلفًا، لأنه ينتمي إلى قطاع الطاقة المتجددة.
الفكرة الأساسية في هذا النوع من التحركات هي أن الدولة لا تتراجع عن أهمية قطاع الطاقة، لكنها تبحث عن نماذج تمويل وتشغيل تسمح بمشاركة القطاع الخاص وجذب الخبرات ورؤوس الأموال.
الطاقة المتجددة تحديدًا أصبحت أحد المجالات التي تراهن عليها الدول لجذب تمويلات طويلة الأجل، خاصة مع توجه المؤسسات الدولية نحو الاستثمار الأخضر.
كيف ترتبط كل هذه الملفات بصندوق النقد؟
منذ الاتفاق مع صندوق النقد، أصبحت عدة ملفات تحت المراجعة الدورية، أبرزها:
1- برنامج الطروحات الحكومية.
2- تقليص دور الدولة كمشغل اقتصادي مباشر.
3- زيادة مشاركة القطاع الخاص.
4- تحسين قدرة الاقتصاد على جذب العملة الأجنبية.
وبالتالي فإن صفقات مثل «وطنية»، وتجهيز الصكوك، وإعادة طرح بنك القاهرة، ليست فقط عمليات مالية، لكنها جزء من إعادة تعريف شكل الاقتصاد.
المشهد الحالي يشير إلى أن الدولة تتحرك في اتجاه مزدوج: فهي تحاول تعظيم قيمة أصولها من ناحية، وتلبية متطلبات الإصلاح الهيكلي من ناحية أخرى.
لكن التحدي الحقيقي ليس في الإعلان عن التخارج أو الشراكات، وإنما في ضمان أن تتم هذه العمليات بتقييمات عادلة، وأن تتحول الأموال الناتجة عنها إلى استثمارات إنتاجية تزيد النمو، وليس مجرد مورد مؤقت لسد فجوات التمويل.
الهدف النهائي.. لماذا تحدث هذه التحركات الآن؟
يمكن قراءة هذه الإجراءات ضمن 3 أهداف رئيسية:
1- توفير موارد دولارية من خلال جذب استثمارات أجنبية مباشرة، وطرح حصص في أصول قائمة، وتحويل الأصول إلى أدوات تمويل.
2- تغيير نموذج إدارة الاقتصاد عبر الانتقال تدريجيًا من نموذج تعتمد فيه الدولة على امتلاك وتشغيل عدد كبير من الأنشطة، إلى نموذج تكون فيه جهة تنظيمية ومخططة مع مشاركة أكبر للقطاع الخاص.
3- تنفيذ تعهدات الإصلاح مع صندوق النقد حيث ترتبط المراجعات الدورية للصندوق بمدى تقدم مصر في ملفات مثل برنامج الطروحات، تحسين بيئة الاستثمار، وزيادة دور القطاع الخاص.
لكن نجاح هذه الإجراءات سيظل مرتبطًا بقدرة الدولة على تحقيق معادلة دقيقة: بيع أو مشاركة الأصول بقيمة عادلة تحقق أقصى عائد ممكن، وفي الوقت نفسه ضمان أن تتحول هذه الخطوات إلى استثمارات وإنتاجية جديدة، وليس مجرد حلول مؤقتة لتوفير السيولة.
ستاندرد شارتر : مصر ليست بحاجة الي قرض اخر من الصندوق حاليا
و في شأن اللجوء الي طلب قرض من صندوق النقد الدولي مرة اخري، قال بدر الصراف المحلل الاقتصادي بمجموعة بنك ستاندرد تشارتر ان مصر حاليا ليست بحاجة الي تمويل اخر من صندوق النقد الدولي بعد تنفيذها برنامجا اصلاحيا متكاملا.
و لكن الصراف قال ايضا ردا علي سؤال ل ( ايجي ايكونومي)، ان الظروف الجيوسياسية غير الواضحة حاليا قد تضطر مصر خلال المستقبل القريب للجوء الي تنفيذ برنامج اصلاح اقتصادي هيكلي أصغر بكثير من البرنامج الحالي، و لكن هذا يتوقف علي نتيجة المراجعتين السابعة و الثامنة.
اما علي مستوي الاجراءات الخاصة بنقل بعض الأصول، قال الصراف ان مصر تمضي قدما في تنفيذ برنامجها الاصلاحي خاصة مع اقتراب موعدي المراجعتين السابعة و الثامنة، و تشديد البرنامج الاصلاحي علي ضرورة التخارج من بعض الأصول لمنح فرصة اكبر للقطاع الخاص.







