شهدت أسواق النفط تقلبات حادة مدفوعة بالأخبار والتطورات الجيوسياسية منذ أواخر فبراير، عندما أدى النزاع الإقليمي إلى توقف شبه كامل لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وارتفع خام برنت إلى ما يقارب 128 دولاراً للبرميل مطلع أبريل، مع تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات العالمية، قبل أن يتراجع إلى نطاق يتراوح بين 90 و95 دولاراً للبرميل مع ظهور مؤشرات على التهدئة. ورغم هذا التراجع، لا تزال الأسعار أعلى بنحو 43% مقارنة بمستوياتها قبل اندلاع الأزمة.
وقال جوش جيلبرت، محلل الأسواق لدى إيتورو: “ما فاجأ العديد من المحللين هو بقاء أسعار النفط ضمن نطاق يمكن السيطرة عليه نسبياً رغم حجم الاضطرابات. فبعد أن اقترب خام برنت من 128 دولاراً للبرميل في أبريل، استقرت الأسعار إلى حد كبير بين 90 و105 دولارات، وهو مستوى أقل بكثير من السيناريوهات الأكثر تشاؤماً التي كانت متوقعة عند بداية الأزمة.”
ويظل مضيق هرمز العامل الأكثر تأثيراً في المشهد الحالي. فمع استمرار حركة ناقلات النفط عند مستويات أقل بكثير من المعتاد، واجه المنتجون الخليجيون تحديات كبيرة في تصدير إنتاجهم. وقد أعلنت الكويت حالة القوة القاهرة على عقود التصدير، فيما خفّض العراق إنتاجه بأكثر من النصف. وفي المقابل، تمكنت السعودية والإمارات من الحد جزئياً من آثار الأزمة عبر استخدام خطوط أنابيب بديلة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر وميناء الفجيرة على خليج عُمان، إلا أن هذه المسارات لا تستوعب سوى جزء محدود من الكميات التي كانت تمر عبر المضيق.
ويمكن تفسير استقرار الأسعار النسبي بثلاثة عوامل رئيسية. فقد قادت وكالة الطاقة الدولية أكبر عملية سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية في التاريخ، حيث قامت 32 دولة بضخ 412 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية منذ مارس. كما خفّضت الصين وارداتها النفطية بنحو 3 ملايين برميل يومياً مع الاعتماد بشكل أكبر على احتياطياتها المحلية، فيما زادت روسيا صادراتها النفطية لتعويض جزء من النقص في الإمدادات العالمية.
لكن هذه العوامل الداعمة بدأت تفقد تأثيرها تدريجياً. ووفقاً لبيانات “إس آند بي جلوبال إنرجي”، فقد استنزف السوق نحو 425 مليون برميل من المخزونات منذ بداية مارس، كما تم امتصاص الفائض الذي كان قائماً في السوق قبل اندلاع الأزمة بالكامل.
وفي الوقت نفسه، وافق تحالف “أوبك+” على زيادة جديدة في الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يومياً خلال يوليو، وهي الزيادة الشهرية الرابعة على التوالي. إلا أن الأسواق استقبلت القرار بهدوء، نظراً لأن العراق والكويت لا يزالان يواجهان صعوبات في تصدير إنتاجهما بشكل طبيعي، ما يعني أن جزءاً كبيراً من هذه الزيادة لا يزال نظرياً أكثر منه فعلياً.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا بعد؟ لا توجد إجابة واضحة حتى الآن. لكن المؤكد أن الاحتياطيات الاستراتيجية والمخزونات الصينية والقدرة الروسية على تعويض النقص تتراجع تدريجياً. وفي حال التوصل إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز بشكل كامل، فمن المرجح أن تتراجع الأسعار سريعاً، إلا أن عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية لن تكون فورية، إذ إن إعادة تشغيل الآبار المتوقفة وإصلاح أي أضرار محتملة في البنية التحتية تحتاج إلى وقت.
وفي ظل استمرار حالة الترقب، ومع اقتراب ذروة الطلب الصيفي، تبدو أسواق النفط أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين. ورغم أن العالم نجح حتى الآن في تجنب أزمة نفطية واسعة النطاق، فإن المخاطر التي تواجه السوق لم تختفِ بعد.







