من تحذيرات السيسي للمطورين إلى نفي هشام طلعت مصطفى.. أرقام السوق تكشف ارتفاع قيمة المبيعات مقابل تباطؤ أحجامها وظهور سوق للتخارج
670 مليار جنيه مبيعات أكبر 10 مطورين في 6 أشهر.. والرقم يقترب من 800 مليار مع مبيعات الصيف
مبيعات العشرة الكبار بلغت 1.26 تريليون جنيه في 2025.. لكن عدد الوحدات المباعة يتراجع رغم ارتفاع قيمة التعاقدات
عاد الجدل حول حقيقة أوضاع السوق العقارية المصرية إلى الواجهة بقوة خلال الأسابيع الأخيرة، ولكن هذه المرة من زاويتين متقابلتين؛ الأولى تتعلق بقدرة بعض شركات التطوير العقاري على الوفاء بالتزاماتها وتسليم الوحدات للعملاء، والثانية تتصل بسؤال أكبر حول ما إذا كانت السوق تواجه بالفعل خطر «فقاعة عقارية»، أم أن ما يحدث لا يتجاوز ضغوطًا وتصحيحًا طبيعيًا بعد سنوات من القفزات الاستثنائية في الأسعار.
وبدأت الموجة الأخيرة من النقاش عقب تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسي في 26 أغسطس، والتي وجه خلالها رسالة مباشرة إلى شركات التطوير العقاري، مشددًا على ضرورة احترام العقود المبرمة مع المواطنين وعدم التأخير في تسليم الوحدات وتنفيذ أعمال البنية الأساسية والمرافق.
كما وجه الرئيس بإجراء مراجعة شاملة من أجهزة الدولة المختلفة مع المطورين العقاريين للتأكد من الوفاء بالتزاماتهم تجاه المواطنين، وهي التوجيهات التي دفعت الحكومة لاحقًا إلى التحرك لمراجعة العقود ومتابعة المشروعات المتأخرة.
وجاءت هذه التحركات في وقت بدأت فيه السوق الثانوية للعقارات في الظهور بصورة أكثر وضوحًا، مع زيادة الحديث عن عملاء يرغبون في التخارج من تعاقداتهم، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوحدات الجديدة وطول آجال السداد وتزايد قيمة الأقساط.
«الفقاعة» تدخل النقاش
وسط هذه التطورات، انتقل النقاش من تعثر بعض المشروعات أو رغبة بعض العملاء في إعادة البيع إلى سؤال أكثر حساسية: هل يشهد السوق العقاري المصري فقاعة؟
هنا ظهر هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لمجموعة طلعت مصطفى القابضة، لينفي بصورة قاطعة وجود فقاعة عقارية، مستندًا إلى مجموعة من الأرقام يرى أنها تعكس استمرار قوة الطلب وقدرة كبار المطورين على البيع والتحصيل.
وقال طلعت مصطفى إن أكبر 10 شركات عقارية في مصر حققت خلال 2026 مبيعات لا تقل عن نحو 800 مليار جنيه، وإن هذه الشركات لديها نحو 500 ألف وحدة تحت التطوير، كما أشار إلى أن نسبة التحصيل تصل إلى 99.6%، أي أن نسبة عدم التحصيل وفق الأرقام التي طرحها لا تتجاوز 0.4%.
لكن هل يصمد رقم الـ800 مليار جنيه أمام أرقام السوق الفعلية؟
اختبار الـ800 مليار جنيه
بالعودة إلى أحدث البيانات المتاحة عن مبيعات أكبر شركات التطوير العقاري، يتبين أن الرقم الذي تحدث عنه هشام طلعت مصطفى ليس بعيدًا عن المسار الفعلي للمبيعات.
فوفقًا لتقرير «The Board Consulting»، حققت أكبر 10 شركات تطوير عقاري نحو 670 مليار جنيه مبيعات تعاقدية خلال النصف الأول من 2026، مقابل نحو 651 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من 2025، بنمو 2.9%.
وتوزعت مبيعات العشرة الكبار خلال الأشهر الستة الأولى من العام على النحو التالي:
طلعت مصطفى 219 مليار جنيه، وبالم هيلز 94 مليار جنيه، وماونتن فيو 63.7 مليار جنيه، وإعمار مصر 60.9 مليار جنيه، وهايد بارك وفاوندرز 52.9 مليار جنيه، وتطوير مصر 50.5 مليار جنيه، ومدن 44 مليار جنيه، وتحالف G Developments وArt Life نحو 30 مليار جنيه، ومدينة مصر 28.4 مليار جنيه، ولافيستا 26.5 مليار جنيه.
وبالتالي فإن الوصول إلى مستوى 800 مليار جنيه لا يتطلب سوى إضافة نحو 130 مليار جنيه إلى مبيعات النصف الأول، وهو ما يجعل الرقم ممكنًا حسابيًا بعد إضافة مبيعات يوليو وأغسطس وجزء من سبتمبر.
وتزداد قوة هذه القراءة مع إعلان هشام طلعت مصطفى أن مبيعات مجموعته وحدها ارتفعت من نحو 219 مليار جنيه بنهاية يونيو إلى نحو 270 مليار جنيه منذ بداية 2026 وحتى الآن، أي بزيادة تقارب 51 مليار جنيه بعد نهاية النصف الأول.
لكن لا تتوافر حتى الآن بيانات موحدة منشورة للشركات العشر جميعها حتى سبتمبر تسمح بإعادة تجميع الرقم كاملًا بصورة مستقلة، ولذلك يمكن القول إن البيانات المنشورة تدعم إمكانية تجاوز المبيعات حاجز 800 مليار جنيه، لكنها لا تتيح حتى الآن التحقق المستقل من الرقم شركةً بشركة للفترة نفسها.
800 مليار ليست طفرة مقارنة بالعام الماضي
المقارنة الأكثر إثارة للاهتمام تظهر عند العودة إلى 2025.
فقد بلغت مبيعات أكبر 10 مطورين عقاريين خلال العام الماضي نحو 1.26 تريليون جنيه، وفق بيانات The Board Consulting.
وتصدرت طلعت مصطفى القائمة بنحو 382.2 مليار جنيه، ثم بالم هيلز بـ207 مليارات، وإعمار مصر بـ179 مليارًا، وماونتن فيو بـ104 مليارات جنيه.
ومن ثم فإن وصول العشرة الكبار إلى 800 مليار جنيه خلال 2026 لا يمثل في حد ذاته رقمًا استثنائيًا عند مقارنته بحجم مبيعات العام السابق، بل يشير بدرجة أكبر إلى استمرار السوق في توليد مبيعات تعاقدية ضخمة.
وهنا تظهر المفارقة.
قيمة المبيعات ترتفع.. لكن ماذا عن عدد الوحدات؟
رغم ارتفاع مبيعات أكبر 10 مطورين إلى 670 مليار جنيه خلال النصف الأول، فإن بيانات السوق تشير إلى أن ارتفاع قيمة المبيعات لا يعني بالضرورة ارتفاع الطلب الحقيقي بالمعدل نفسه.
فتقرير النصف الأول أظهر تباطؤًا في أحجام المبيعات عند استبعاد تأثير الزيادات السعرية، مع تراجع عدد أو حجم الوحدات المباعة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وتشير بيانات منشورة عن التقرير إلى أن عدد الوحدات المباعة دار حول 39 ألف وحدة، بينما ساهم ارتفاع الأسعار في زيادة القيمة الإجمالية للتعاقدات.
وهذه النقطة مهمة عند استخدام رقم الـ800 مليار جنيه للحكم على صحة السوق.
فزيادة الأسعار تعني أن المطور يستطيع تسجيل قيمة مبيعات أكبر حتى إذا لم يرتفع عدد المشترين أو الوحدات المباعة بالمعدل نفسه.
لذلك فإن قيمة المبيعات وحدها ليست مؤشرًا كافيًا لإثبات وجود فقاعة أو نفيها.
5 آلاف وحدة تبحث عن «الخروج»
وفي الجهة الأخرى من السوق، ظهرت بيانات منصة Aqar Exit لتقدم أول قراءة كمية منظمة نسبيًا لسوق التنازلات عن التعاقدات العقارية.
وسجلت المنصة خلال أول 28 يومًا 9,839 ملف تنازل من 7,225 بائعًا، بينما بلغ عدد الوحدات المعروضة أو تحت المراجعة 5,045 وحدة، بقيمة سوقية تقديرية بلغت 72.2 مليار جنيه، مقابل 53.6 مليار جنيه تمثل القيمة الأصلية لتعاقداتها.
لكن البيانات نفسها لا تعني أن 5 آلاف عميل متعثرون.
ففي مقابل المعروض، سجلت المنصة 31,992 طلب شراء من 17,268 مشتريًا مختلفًا، ووصل الزمن الوسيط للحصول على أول طلب شراء إلى 14.6 ساعة فقط، ما يعكس وجود طلب على جانب آخر من السوق الثانوية.
إلا أن هناك مؤشرًا آخر يستحق التوقف أمامه: نحو 20.7% من الحالات التي توفرت عنها بيانات انتظام السداد أفاد أصحابها بوجود أقساط متأخرة، كما ظهرت 88.1% من حالات التخارج التي تتوافر عنها بيانات عمر التعاقد خلال أول عامين من الشراء.
وهي أرقام لا تثبت وجود أزمة عامة في السوق، لكنها في الوقت نفسه تكشف وجود شريحة من المشترين تواجه ضغوط سيولة أو ترغب في الخروج مبكرًا من الاستثمار.
هشام طلعت: 6 آلاف وحدة لا تصنع أزمة
هشام طلعت مصطفى استخدم حجم سوق كبار المطورين للرد على هذه المخاوف، معتبرًا أن الحديث عن نحو 6 آلاف وحدة معروضة للتنازل يظل رقمًا محدودًا إذا قورن بحجم السوق والوحدات التي تطورها الشركات الكبرى.
وأشار كذلك إلى أن أكبر 3 شركات في الساحل الشمالي حققت أكثر من 400 مليار جنيه مبيعات خلال 2026، معتبرًا أن هذه الأرقام تعكس استمرار الطلب على العقار.
كما أقر في الوقت نفسه بوجود مشكلات لدى بعض الشركات الأصغر ووجود «دخلاء» على نشاط التطوير العقاري، معتبرًا أن الأزمة لا ينبغي تعميمها على القطاع بأكمله.
وهذه النقطة تلتقي جزئيًا مع جوهر التحركات الحكومية الأخيرة؛ إذ لم يعد النقاش مقتصرًا على حجم مبيعات المطور، وإنما يمتد إلى ملاءته المالية وقدرته الفنية والتنظيمية وسابقة أعماله والتزامه بالتنفيذ والتسليم.
هل توجد فقاعة فعلًا؟
الأرقام المتاحة حتى الآن لا تقدم دليلًا كافيًا يسمح بالجزم بأن السوق العقارية المصرية دخلت «فقاعة» بالمعنى الاقتصادي التقليدي، لكنها أيضًا لا تجعل رقم المبيعات وحده كافيًا لإغلاق النقاش.
فالسوق لا تزال تحقق مئات المليارات من الجنيهات في المبيعات، وكبار المطورين يواصلون تسجيل تعاقدات ضخمة، وفي المقابل تظهر إشارات أخرى تستحق المتابعة: ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع من نمو عدد الوحدات المباعة، واتساع آجال التقسيط، ونمو سوق التنازلات، ووجود شريحة من العملاء تبحث عن السيولة أو الخروج من التعاقد.
كما أن هناك فارقًا جوهريًا بين «المبيعات التعاقدية» و«الإيرادات المحققة» و«التحصيلات النقدية»؛ فبيع وحدة بعقد يمتد سداده لسنوات يسجل قيمة بيعية، لكنه لا يعني دخول كامل هذه القيمة نقدًا إلى الشركة في لحظة البيع.
ومن هنا فإن الرقم الأكثر دلالة ليس فقط: كم باعت الشركات؟
بل أيضًا: كم وحدة باعت؟ وكم حصلت من قيمتها؟ وكم وحدة سلمت؟ وما حجم الإلغاءات والتنازلات والتأخر في الأقساط؟ وهل تتناسب أسعار الطرح الجديدة مع القوة الشرائية الحقيقية للعملاء؟
بين رسالة السيسي ودفاع كبار المطورين
وبين تحذيرات الرئيس السيسي للمطورين ودفاع هشام طلعت مصطفى عن قوة القطاع، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من الاختيار بين سيناريوهين: «السوق بخير» أو «فقاعة على وشك الانفجار».
فتوجيهات الرئيس ركزت أساسًا على حقوق المشترين والتنفيذ والتسليم والالتزام بالعقود، بينما يستند دفاع كبار المطورين بصورة أساسية إلى المبيعات والتحصيل وحجم المشروعات الجاري تطويرها.
والجانبان يقيسان أمرين مختلفين.
فقد تستطيع السوق تسجيل مبيعات ضخمة، بينما تواجه بعض الشركات أو بعض شرائح العملاء ضغوطًا حقيقية، كما أن وجود حالات تخارج أو تعثر لا يعني بالضرورة انهيار السوق بأكملها.
لذلك فإن الـ800 مليار جنيه تدعم القول إن الطلب لم يختفِ، لكنها لا تكفي بمفردها لنفي كل مخاطر السوق.







