بدأت سوق المحمول في مصر مرحلة جديدة من إجراءات التحقق من هوية العملاء، مع دخول تقنية بصمة الوجه «Face Recognition» إلى منظومة الخدمات المقدمة من شركات الاتصالات، في تحرك يستهدف إحكام السيطرة على عمليات تسجيل وملكية خطوط المحمول، بعد ظهور أزمة خطوط مسجلة ببيانات مواطنين دون علمهم.
وتتحرك شركات المحمول لتطبيق منظومة التحقق البيومتري تدريجيًا، تنفيذًا لتوجيهات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، فيما بدأت بعض الخدمات المعتمدة على بصمة الوجه تظهر فعليًا أمام العملاء، في وقت يستعد فيه القطاع لتوسيع استخدام التقنية في عمليات التحقق من شخصية مالك الخط.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بعدما تحول رقم الهاتف المحمول خلال السنوات الأخيرة من مجرد وسيلة للاتصال إلى أحد أهم مفاتيح الهوية الرقمية للمواطن، مع ارتباطه بالمحافظ الإلكترونية والحسابات البنكية وتطبيقات الدفع والخدمات الحكومية والمنصات الرقمية المختلفة.
وكانت إي آند مصر أول مشغل محمول يعلن، في 24 أغسطس، إتاحة خدمة إلكترونية لعملائه تعتمد على بصمة الوجه، تمكنهم من معرفة أرقام المحمول المسجلة بأسمائهم لدى الشركة، وطلب إلغاء الأرقام غير المرغوب فيها إلكترونيًا دون الحاجة إلى زيارة أحد الفروع.
وتعتمد الخدمة على التحقق من هوية العميل باستخدام تقنية التعرف على الوجه قبل إتاحة التعامل مع الخطوط المرتبطة ببياناته، وهو ما يمثل أول تطبيق معلن بصورة عملية للمنظومة الجديدة داخل سوق المحمول المصري.
ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على نقل الخدمة إلى القنوات الرقمية، وإنما تضيف طبقة جديدة للتحقق من أن الشخص الذي يطلب الاطلاع على الخطوط أو إلغاءها هو بالفعل صاحب البيانات، وليس مجرد شخص يمتلك بطاقة الرقم القومي أو إحدى الشرائح المسجلة باسم صاحبها.
الجهاز طلب من الشركات الإسراع في التحقق البيومتري
ويأتي تحرك الشركات استجابة لإجراءات تنظيمية أعلنها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في 10 أغسطس الجاري، عندما وجه شركات المحمول الأربع إلى الإسراع في إتاحة آليات التحقق البيومتري لحائزي خطوط المحمول من خلال التطبيقات الإلكترونية للشركات.
وأوضح الجهاز أن الهدف من المنظومة هو التحقق من هوية المستخدم بصورة أكثر أمانًا، وتمكين المواطنين من اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه أي خط مسجل بأسمائهم ولا يقع في حيازتهم.
وكان الجهاز قد أعلن قبل ذلك بأيام أن تطوير خدمة «أرقامي» على تطبيق My NTRA سيتضمن إتاحة خاصية التحقق البيومتري للتأكد من أن الشخص الذي يجري الاستعلام هو صاحب بطاقة الرقم القومي نفسه، وليس شخصًا آخر يستخدم أحد الخطوط المسجلة باسمه.
وبذلك تتحول بصمة الوجه إلى عنصر رئيسي في إعادة بناء منظومة التحقق من هوية مالكي خطوط المحمول، سواء من خلال التطبيقات الإلكترونية أو الخدمات التي تتطلب التأكد من شخصية صاحب الخط.
القصة بدأت بخطوط مسجلة دون علم أصحابها
وتأتي الإجراءات الجديدة بعد تصاعد شكاوى مواطنين فوجئوا، أثناء الاستعلام عبر خدمة «أرقامي» في تطبيق My NTRA، بوجود خطوط هاتف محمول مسجلة باستخدام بياناتهم الشخصية رغم عدم علمهم بها أو حيازتهم لها.
وفي بيان رسمي صدر في 7 أغسطس، أكد جهاز تنظيم الاتصالات أنه بدأ فحص هذه الحالات والتحقق من سلامة إجراءات تسجيل الخطوط ومدى التزام شركات المحمول بالضوابط التنظيمية، مشددًا في الوقت نفسه على أن مجرد وجود خط مسجل باسم مواطن لا يجعله مسؤولًا تلقائيًا عن أفعال تمت باستخدامه طالما ثبت أن الخط لا يخصه ولم يكن في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية.
لكن تطورات الأزمة دفعت الجهاز إلى اتخاذ خطوة أكثر حسمًا بعد ثلاثة أيام فقط.
شركات المحمول الأربع أمام النيابة
ففي 10 أغسطس، أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إحالة شركات المحمول الأربع إلى النيابة العامة بشأن مخالفات تسجيل خطوط بأسماء مستخدمين دون علمهم، لاتخاذ شؤون التحقيق في الوقائع محل الشكاوى.
وقال الجهاز إن القرار جاء بعد إجراءات فحص وتفتيش للشكاوى واستكمال الأدلة والقرائن والمستندات المرتبطة بها.
ولم تبقَ القضية مجرد واقعة طارئة؛ إذ أعاد الجهاز التأكيد عليها في تقريره الرسمي الخاص بشكاوى مستخدمي خدمات الاتصالات عن النصف الأول من عام 2026، الصادر في 23 أغسطس الجاري، ووضع إحالة الشركات الأربع إلى النيابة ضمن أبرز الإجراءات التي اتخذها لحماية حقوق مستخدمي خدمات الاتصالات.
وكشف التقرير أن الجهاز تلقى 141.224 ألف شكوى من مستخدمي خدمات الاتصالات خلال النصف الأول من العام، فيما بلغت نسبة استجابة المشغلين للشكاوى بعد تصعيدها للجهاز نحو 97%، بمتوسط زمن استجابة بلغ 0.7 يوم.
وقف بيع بعض الخطوط وإعادة توثيق القديمة
وأزمة الخطوط دفعت الجهاز أيضًا إلى إعادة النظر في جانب من آليات تسجيل شرائح المحمول.
فقد قرر وقف بيع أو تفعيل خطوط جديدة من خلال أنظمة الشركات المخصصة للجهات والمؤسسات، سواء التابعة للقطاع الخاص أو الجهات والهيئات الحكومية، بالتزامن مع إلزام شركات المحمول بمراجعة أوضاع الخطوط القديمة المسجلة على هذه الأنظمة.
وألزم الجهاز الشركات بإرسال رسائل نصية إلى حائزي تلك الخطوط، لمطالبتهم بالتوجه إلى الفروع وإبرام عقود جديدة باسم الحائز الفعلي للخط، على أن يتم إلغاء الخط نهائيًا إذا لم يتم استكمال إجراءات إعادة التعاقد خلال المهلة المحددة.
لماذا أصبحت بطاقة الرقم القومي وحدها غير كافية؟
تكشف الأزمة في جانب منها عن ثغرة جوهرية في آليات إثبات الهوية التقليدية؛ إذ إن امتلاك بيانات بطاقة الرقم القومي أو صورة منها لا يضمن بالضرورة أن الشخص الذي يجري عملية التعاقد هو صاحب البطاقة نفسه.
وهنا يأتي دور التحقق البيومتري.
فبدلًا من الاكتفاء بإدخال بيانات الرقم القومي، تضيف بصمة الوجه خطوة للتحقق من شخصية صاحب البيانات نفسه، بما يصعب تمرير عمليات تسجيل باستخدام بيانات شخص آخر دون حضوره أو موافقته.
والاتجاه الذي أعلنه جهاز تنظيم الاتصالات هو أن تتم عملية التحقق بصورة فنية وآلية، بحيث تصبح التكنولوجيا وسيلة للتأكد من تطابق هوية المستخدم قبل استكمال الخدمات المرتبطة بالخط.
من «أزمة الخطوط» إلى إعادة حوكمة السوق
وبين إحالة شركات المحمول الأربع إلى النيابة، ومراجعة الخطوط القديمة، وإدخال التحقق البيومتري، يبدو أن أزمة الشرائح المسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم لم تعد مجرد أزمة شكاوى فردية، وإنما تحولت إلى نقطة انطلاق لإعادة حوكمة منظومة ملكية خطوط المحمول في مصر.
ويشير بدء ظهور خدمات تعتمد فعليًا على بصمة الوجه إلى أن الإجراءات التنظيمية بدأت تنتقل من مرحلة الإعلان إلى التطبيق.
ومع توسع شركات المحمول في تطبيق المنظومة، سيكون الرهان الأساسي على قدرة التحقق البيومتري على إغلاق الثغرة التي سمحت بتسجيل خطوط ببيانات أشخاص آخرين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خصوصية البيانات البيومترية وعدم إتاحتها للتلاعب أو الاستخدام خارج الغرض المخصص لها.
وبذلك تتحول «بصمة الوجه» من مجرد وسيلة تقنية جديدة إلى أحد أهم عناصر تأمين الهوية الرقمية للمواطن، في سوق تجاوز فيها خط المحمول منذ سنوات وظيفته التقليدية، ليصبح مرتبطًا بجزء كبير من المعاملات المالية والرقمية لصاحبه.
«ورغم إعلان جهاز تنظيم الاتصالات إحالة شركات المحمول الأربع إلى النيابة العامة بشأن مخالفات تسجيل خطوط بأسماء مستخدمين دون علمهم، لم يكشف الجهاز عن توزيع هذه المخالفات بين الشركات أو عدد الحالات المنسوبة إلى كل مشغل. وأظهر تقرير الشكاوى للنصف الأول من 2026، وهو مؤشر منفصل يشمل إجمالي شكاوى خدمات المحمول، تصدر أورنج بمعدل 56 شكوى لكل 100 ألف مشترك، تلتها WE بـ48 شكوى، ثم فودافون بـ45 شكوى، فيما سجلت إي آند أقل معدل عند 39 شكوى لكل 100 ألف مشترك.»







